«ناشيونال إنترست»: دول الخليج أمام واقع أمني جديد بعد حرب إيران
المؤشر 26-09-2026 رأت كريستيان ألكسندر، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنترست»، أن الحرب مع إيران دفعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى مراجعة عدد من الافتراضات التي قامت عليها سياساتها الأمنية لعقود، وفي مقدمتها الاعتماد على الحماية الأمريكية والقدرات الدفاعية الوطنية وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران.
وبحسب التحليل، كانت دول الخليج تفترض أن الوجود العسكري الأمريكي سيشكل رادعاً أمام أي هجوم إيراني واسع، وأن العلاقات الدبلوماسية مع طهران يمكن أن تساعد في إبقاء دول المجلس بعيدة عن المواجهات المباشرة، فضلاً عن قدرة أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي على الحد من آثار أي هجمات محتملة.
لكن التطورات الأخيرة، وفق ألكسندر، أظهرت محدودية هذه الافتراضات، بعدما تعرضت دول مجلس التعاون الست لهجمات إيرانية، بما فيها دول سعت تاريخياً إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران. ولم تقتصر الأهداف على المنشآت العسكرية، بل شملت أيضاً مرافق مدنية واقتصادية، بينها مطارات ومنشآت طاقة ومرافق تجارية ومناطق سكنية ومحطات لتحلية المياه.
ورغم تأكيد مجلس التعاون الخليجي أن الاعتداء على أي دولة عضو يمثل اعتداءً على المجلس بأكمله، فإن الاستجابة العسكرية بقيت، وفق التحليل، في معظمها ضمن الإطار الوطني لكل دولة، ولم تتحول إلى دفاع جماعي متكامل.
الحوثيون يضيفون بعداً آخر للتهديد
وتشير ألكسندر إلى أن التصعيد المرتبط بجماعة الحوثيين عزز المخاوف الخليجية، خصوصاً مع توسع الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف الأراضي السعودية ومصالح مرتبطة بالطاقة والشحن.
وفي هذا السياق، شنت السعودية عمليات جوية واسعة، بينما لم تتبن الولايات المتحدة تدخلاً عسكرياً مباشراً على النحو الذي طلبته الرياض، واقتصر دعمها، بحسب التحليل، بدرجة كبيرة على الجوانب الاستخباراتية والاستهدافية.
وترى الكاتبة أن هذه التطورات توضح أن الدعم الغربي لدول الخليج لا يزال مهماً، لكنه بات أكثر انتقائية، ولا يعني بالضرورة تدخلاً عسكرياً مباشراً في كل مواجهة.
لا غنى عن واشنطن ولا عن القدرات الذاتية
وبحسب «ناشيونال إنترست»، من غير المرجح أن تستنتج العواصم الخليجية من هذه التجربة أن الحوار مع إيران كان خياراً خاطئاً أو أن الولايات المتحدة لم تعد ضرورية. والأرجح، وفق التحليل، أن تتجه دول المنطقة إلى بناء منظومة أمنية متعددة المستويات، تجمع بين استمرار الشراكة الأمريكية وتطوير القدرات المحلية وتعزيز التنسيق الخليجي وتنويع الشراكات الدولية.
وتطرح ألكسندر مفهوم «الردع بالإنكار» باعتباره أحد المسارات الممكنة، أي رفع قدرة دول الخليج على منع إيران من تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية من الهجمات، بدلاً من الاعتماد فقط على القدرة على الرد العسكري.
ويشمل ذلك، وفق التحليل، تطوير منظومات الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة، ودمج أجهزة الاستشعار والرادارات، وتعزيز الحرب الإلكترونية، وتوزيع الطائرات ومراكز القيادة، إلى جانب تحصين منشآت الطاقة والمياه وزيادة مخزونات الصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار.
وترى الكاتبة أن القدرة على استعادة الخدمات بسرعة تمثل جزءاً من الردع أيضاً. فإعادة تشغيل المطارات والمنشآت الحيوية، وضمان استمرار الكهرباء والمياه، وتأمين صادرات الطاقة، وتوفير مسارات بديلة للنقل، كلها عوامل تحد من قدرة أي طرف على استخدام الهجمات وسيلة للضغط السياسي.
حماية أمريكية ضرورية لكن بحدود
وتؤكد ألكسندر أن الحرب لم تجعل الولايات المتحدة طرفاً غير مهم في أمن الخليج، مشيرة إلى دور القدرات الأمريكية في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والصاروخي والقوة البحرية واللوجستيات والقيادة والسيطرة.
لكن المشكلة، بحسب التحليل، تكمن في أن وجود القوات الأمريكية داخل دول الخليج لا يعني تلقائياً توفير حماية شاملة لجميع المنشآت والمصالح المدنية. فالأولويات العسكرية الأمريكية قد تتركز على حماية القوات والمنشآت الأمريكية وتنفيذ العمليات المقررة، بينما تنظر الحكومات الخليجية إلى حماية المطارات والموانئ ومحطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة والمراكز التجارية باعتبارها أولوية أمنية أساسية.
ومن هنا تميز الكاتبة بين الوجود العسكري الأمريكي والضمان السياسي الكامل، معتبرة أن استضافة القوات الأمريكية قد توفر رادعاً مهماً، لكنها قد تجعل بعض الدول الخليجية أيضاً جزءاً من مسرح المواجهة.
واشنطن تبحث عن صيغة جديدة للمنطقة
وتشير «ناشيونال إنترست» إلى تقارير تتحدث عن توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي بعد الحرب، من خلال توسيع التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة وربط عدد من الترتيبات الأمنية.
وترى ألكسندر أن نجاح أي صيغة جديدة سيعتمد على مدى توافقها مع أولويات دول الخليج، وليس فقط مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
كما تشير إلى أن دول مجلس التعاون قد تفضل دوراً يقوم على التأثير في الترتيبات الإقليمية بدلاً من الانضمام بصورة تلقائية إلى محور موجه ضد إيران، مع السعي إلى منع تجدد التصعيد وضمان حرية الملاحة ومعالجة المخاوف الأمنية الخليجية.
وفي الجانب الاقتصادي، تتطرق الكاتبة إلى العقوبات الأمريكية والضغوط على المؤسسات التي تسهل التعامل التجاري مع إيران، معتبرة أن هذه الأدوات يمكن أن تكون ذات تأثير كبير، لكنها لا تضمن وحدها تغيير السلوك الإيراني.
وتحذر من أن الضغط الاقتصادي المفرط قد يؤدي، في حال تسبب باضطرابات واسعة داخل إيران، إلى نتائج لا تتوافق بالضرورة مع مصالح دول الخليج، بما في ذلك زيادة التهريب وعدم الاستقرار والهجرة وتصعيد الأنشطة غير التقليدية.
لماذا لا يتجه الخليج إلى حلف عسكري موحد؟
وترى ألكسندر أن الهجمات الإيرانية قد تعزز التعاون الدفاعي الخليجي، لكنها لن تلغي الخلافات القائمة بين دول مجلس التعاون بشأن طبيعة التهديدات والعلاقات الخارجية وشراء الأسلحة ومدى الانفتاح على إيران وإسرائيل.
ولهذا، لا تتوقع الكاتبة تحول مجلس التعاون إلى نسخة خليجية من حلف شمال الأطلسي، مشيرة إلى أن تحقيق تقدم ملموس لا يتطلب بالضرورة إنشاء تحالف عسكري كامل.
وبدلاً من ذلك، تقترح تعزيز منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق عمليات الاعتراض، وإنشاء مخزونات مشتركة من الصواريخ وقطع الغيار، إلى جانب حماية منسقة للبنية التحتية الحيوية وإنشاء آلية دائمة لإدارة الأزمات.
«شبكة أمنية» متعددة الأطراف
وتطرح الكاتبة تصوراً لمنظومة أمنية مرنة تعتمد على شراكات مختلفة بحسب طبيعة التهديد، بدلاً من إقامة تحالف واحد شامل.
ففي المجال البحري يمكن أن تتعاون دول خليجية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بينما يمكن أن يستند الدفاع الجوي إلى تعاون بين دول مجلس التعاون وشركاء إقليميين ودوليين آخرين. وفي المقابل، يمكن أن تلعب قطر وعُمان أدواراً دبلوماسية في التواصل مع إيران.
وتشدد ألكسندر على أن تنويع الشراكات لا يعني استبدال الولايات المتحدة، إذ لا تزال واشنطن، وفق تقييمها، تمتلك مزيجاً من القدرات الاستخباراتية واللوجستية والبحرية والإنذار المبكر يصعب على طرف آخر توفيره بصورة متكاملة.
كما تتوقع استمرار الاتصالات الخليجية مع إيران، مدفوعة بعوامل الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والحاجة إلى إدارة المخاطر، مع إمكانية تطوير ترتيبات تتعلق بالاتصالات خلال الأزمات وإخطار الأطراف بالمناورات العسكرية وحماية المنشآت المدنية وحرية الملاحة.
منظومة من أربع طبقات
وتخلص «ناشيونال إنترست» إلى أن الترتيبات الأمنية الخليجية المستقبلية قد تقوم على أربع طبقات مترابطة: شراكة أمريكية معدلة توفر القدرات العسكرية والردع، وتعاون خليجي عملي في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والأمن البحري، وشراكات ثنائية أو محدودة مع قوى إقليمية وأوروبية، إلى جانب مسار دبلوماسي للتعامل مع إيران.
وبحسب التحليل، فإن هذا النموذج لن يقوم على الثقة الكاملة أو التحالف التقليدي، وإنما على مزيج من الردع والاتصال وإدارة المخاطر والقدرة على الصمود.
وترى ألكسندر أن دول الخليج لن تتمكن من القضاء على التهديد الإيراني أو الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة، لكنها تستطيع، عبر تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز مرونة اقتصاداتها وبنيتها التحتية وتنويع شراكاتها والحفاظ على قنوات التواصل، تقليص آثار أي هجمات مستقبلية والحد من قدرتها على فرض أثمان سياسية واقتصادية كبيرة.
وتختتم الكاتبة تقييمها بالقول إن مستقبل أمن الخليج قد يتجه نحو منظومة متعددة الشركاء والطبقات، بدلاً من الاعتماد على تحالف واحد أو راعٍ أمني منفرد، مع بقاء نجاح هذه المنظومة مرتبطاً بمدى قدرتها على تحويل الاتفاقات السياسية إلى تعاون عملي قابل للتنفيذ خلال الأزمات.



