بلاد الشام بعد «الأوقات المثيرة»: حين يصبح الاستثناء هو القاعدة
المؤشر 26-09-2026 اعتدنا، في السنوات الأخيرة، سماع عبارة «أوقات مثيرة للاهتمام» لوصف التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. لكن بالنسبة إلى سكان بلاد الشام، تبدو العبارة اليوم أقل من أن تصف الواقع. فالأحداث لم تعد مجرد تطورات استثنائية أو أزمات عابرة، بل تحولت إلى مشهد متواصل من الحروب والدمار وإعادة رسم النفوذ والتحالفات.
الشرق الأوسط وأوروبا يعيشان لحظة مفصلية، وإن اختلفت طبيعة الصراعات في كل منهما. ففي بلاد الشام، تتجاوز آثار الحروب أعداد القتلى والدمار المادي، لتصل إلى البنية الاجتماعية نفسها، وإلى أجيال كاملة تنشأ وسط الخوف والنزوح وفقدان الأمان. أما في أوروبا والخليج، فتبدو تداعيات الصراعات مرتبطة أيضًا بتحولات استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل الخرائط السياسية والتحالفات التي بدت، حتى وقت قريب، راسخة.
ولا تقتصر الصورة القاتمة على هذه المناطق. فالسودان والكونغو ونيجيريا ومالي والصومال وإثيوبيا وهايتي وغيرها تشهد بدورها أزمات دامية لا تحظى دائمًا بالاهتمام الإعلامي الذي تحظى به صراعات أخرى. وبين حرب وأخرى، يواجه العالم أزمات ذات طبيعة مختلفة، من تغير المناخ إلى المخاوف المتعلقة بتطور الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المحتملة على مستقبل البشرية.
الولايات المتحدة... القوة العظمى في زمن الاضطراب
من الصعب النظر إلى هذه الأزمات بمعزل عن الولايات المتحدة، بالنظر إلى وزنها السياسي والعسكري والاقتصادي العالمي. وما يثير القلق في المنطقة ليس فقط القرارات التي تتخذها واشنطن، بل أيضًا حالة الارتباك الداخلي التي تبدو في بعض الأحيان حاضرة في المشهد الأمريكي.
وقد أشار المؤرخ الأمريكي تيموثي سنايدر، في مقال نشره موقع «بروجيكت سنديكيت»، إلى ما وصفه بـ«انتحار قوة عظمى»، منتقدًا سياسات أمريكية يرى أنها تؤدي إلى إضعاف التحالفات وإلحاق أضرار بالمصالح الأمريكية.
وتظهر في الداخل الأمريكي مؤشرات عديدة على حجم التوتر السياسي والاجتماعي: دين عام يقترب من مستويات قياسية، واستقطاب سياسي حاد، ومخاوف صحية وبيئية، إلى جانب نقاش متزايد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تبدو بعض الوقائع التي تتصدر المشهد السياسي في واشنطن شديدة التناقض مع حجم التحديات الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة. ومن الأمثلة التي أثارت جدلًا واسعًا ما دار خلال جلسات استماع للكونغرس بشأن سياسات مكتب التحقيقات الفيدرالي، بما في ذلك أسئلة تتعلق بمعايير التوظيف داخل المؤسسة.
المشكلة هنا لا تكمن في حادثة منفردة بقدر ما تكمن في المفارقة بين حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق القوة الأكبر في العالم، وبين حالة الفوضى والاستقطاب التي تشهدها مؤسساتها السياسية.
عندما تصبح المنطقة رهينة القرارات الأمريكية
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تبدو هذه المسألة أكثر خطورة. فالمنطقة لا تمتلك دائمًا الأدوات التي تمكنها من حماية نفسها من تداعيات القرارات الأمريكية، ولذلك فإن أي تحول في السياسة الأمريكية يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على حياة ملايين الأشخاص.
وتبرز غزة ولبنان في مقدمة الأمثلة. فقد أدت الحرب في غزة إلى دمار واسع ونزوح جماعي وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فيما امتدت آثار المواجهة إلى جنوب لبنان ومناطق أخرى.
وفي الوقت نفسه، طُرحت تصورات سياسية مختلفة لمستقبل غزة، من بينها أفكار مرتبطة بإدارة القطاع وإعادة إعماره، وسط جدل واسع بشأن طبيعة الدور الأمريكي والإسرائيلي ومستقبل السكان الفلسطينيين.
ويأتي ذلك في ظل واقع إنساني ومادي بالغ الصعوبة. فقد تحولت مساحات واسعة من غزة إلى أنقاض، بينما تواجه جهود إعادة الإعمار تحديات هائلة تتعلق بحجم الدمار، والموارد، والوضع الأمني، ومستقبل الإدارة السياسية للقطاع.
الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة الحرب
من أكثر جوانب الحرب إثارة للجدل الدور المتزايد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
فقد تحدثت تقارير وتحقيقات إعلامية عن استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة تعتمد على الخوارزميات للمساعدة في تحديد أهداف القصف، ومن بينها أنظمة عُرفت بأسماء مثل «لافندر» و«الإنجيل» و«أين أبي؟».
وقد أثار استخدام هذه الأنظمة نقاشًا واسعًا حول المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تشارك أدوات آلية في عمليات اختيار الأهداف، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
والقضية الأوسع تتجاوز الحرب الحالية نفسها: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على معالجة أعداد هائلة من البيانات وتحديد أهداف عسكرية بسرعة تفوق قدرة الإنسان، فأين تبدأ مسؤولية المشغل البشري وأين تنتهي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أدى خطأ في النظام أو في تفسير مخرجاته إلى مقتل مدنيين؟
هذه الأسئلة باتت جزءًا من النقاش العالمي حول مستقبل الحروب.
غزة بين الركام وإعادة رسم المستقبل
حجم الدمار في غزة جعل عملية إعادة الإعمار قضية تتجاوز إعادة بناء المنازل والبنية التحتية. فالمسألة تتعلق بإعادة تشكيل المجال الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي للقطاع بأكمله.
كما أن إزالة الركام ليست مسألة هندسية فحسب. فالأنقاض قد تحتوي على بقايا بشرية وأدلة مرتبطة بالعمليات العسكرية، الأمر الذي يجعل التعامل معها جزءًا من ملفات إنسانية وقانونية وسياسية شديدة الحساسية.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز مخاوف من أن تتحول عملية إعادة الإعمار نفسها إلى أداة لإعادة ترتيب المنطقة وفق تصورات سياسية واقتصادية لا يملك سكانها وحدهم القدرة على تحديدها.
لبنان أمام اختبار جديد
ولا يبدو جنوب لبنان بعيدًا عن هذا المشهد. فالمنطقة عاشت سنوات طويلة من الصراع، ثم وجدت نفسها مجددًا أمام تداعيات المواجهة الإقليمية.
وأمام الدولة اللبنانية خيارات صعبة، خصوصًا في ظل ضعف قدرتها على التحكم الكامل في مسار الأحداث الإقليمية، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي اتفاق سياسي أو أمني موضع نقاش واسع، لأن السكان يجدون أنفسهم أمام خيارات تبدو كلها مكلفة: استمرار المواجهة وما تحمله من دمار، أو قبول تسويات قد تتضمن أثمانًا سياسية وأمنية كبيرة.
والأصعب أن سكان المناطق الحدودية هم الذين يتحملون عادة الجزء الأكبر من هذه الأثمان، من فقدان المنازل والأرزاق إلى النزوح وتفكك المجتمعات المحلية.
الذاكرة التي لا تنتهي عند انتهاء الحرب
الحرب لا تنتهي بمجرد توقف القصف. آثارها تبقى في المدن والقرى، وفي ذاكرة العائلات التي فقدت أشخاصًا أو منازل أو مصادر رزق.
وفي جنوب لبنان، كما في مناطق أخرى من بلاد الشام، ترتبط الأرض بالذاكرة العائلية ارتباطًا شديدًا. البيوت القديمة، والأحياء، والشوارع، والمقابر، كلها تتحول إلى أجزاء من سردية شخصية وجماعية يصعب محوها حتى عندما تتغير ملامح المكان.
لهذا فإن إعادة البناء لا تعني استعادة الجدران فقط، بل محاولة استعادة حياة كاملة انقطعت بفعل الحرب.
لبنان أمام أزمة داخلية أيضًا
لكن الأزمات اللبنانية لا ترتبط بالحرب وحدها. فالدولة تواجه منذ سنوات أزمة سياسية واقتصادية ومؤسسية عميقة، بينما يستمر الجدل حول مكافحة الفساد والمحاسبة والإفلات من العقاب.
وفي هذا السياق، أثار مشروع قانون العفو العام انتقادات من جهات قانونية ومدنية، خصوصًا في ظل المخاوف من أن يؤدي إلى طي ملفات فساد أو جرائم سابقة من دون معالجة حقيقية لمسألة المسؤولية.
كما أعاد النقاش حول القانون التذكير بقانون العفو الصادر عام 1991، والذي ارتبط بمرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية وأثار بدوره جدلًا واسعًا بشأن العدالة والمحاسبة.
وتبقى الأنظار معلقة على المسار الدستوري والقانوني لهذا الملف، في وقت يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مجموعة أزمات متزامنة، داخلية وإقليمية ودولية.
هل يمكن العثور على نافذة للأمل؟
قد يبدو المشهد، في ظاهره، مغلقًا أمام أي أفق إيجابي: حروب متواصلة، أزمات اقتصادية، تحولات جيوسياسية، صراعات داخلية، وتراجع واضح في الثقة بالمؤسسات.
لكن الأزمات الكبرى لا تنتج دائمًا نتائجها الأكثر سوءًا. فقد تدفع، في بعض الأحيان، المجتمعات والدول إلى إعادة التفكير في قواعدها السياسية، وفي معنى الأمن، وفي العلاقة بين الدولة والمواطن، وفي حدود القوة العسكرية.
ربما لا تكون بلاد الشام قد دخلت فقط عصر «الأوقات المثيرة»، بل مرحلة يصبح فيها السؤال الأساسي هو: كيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى منع إنتاجها من جديد؟
ذلك هو التحدي الأكبر، لأن إعادة بناء المدن قد تستغرق سنوات، أما إعادة بناء الثقة والأمان والمستقبل فتحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من انتهاء الحرب.



