خصوم في بريكس: هل يستطيع الجنوب أن يتعاون من دون أن يتفق؟
المؤشر 14-09-2026
الدكتور وائّل عوّاد
تنعقد القمة وسط ضغوط تفوق بكثير ما يوحي به عادة شعار «الجسر الرابط بين القارات».
فقد وصل قادة إيران وروسيا إلى دلهي في ظل تداعيات أشهر من المواجهة والضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، في وقت ألقت فيه التطورات العسكرية بظلالها على أمن الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز، ودفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، مع انعكاسات مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة في آسيا، وفي مقدمتها الهند.
ولم يعد اضطراب المنطقة قضية أمنية تخص دول الشرق الأوسط وحدها. فأي تهديد للملاحة في الخليج أو مضيق هرمز ينعكس فوراً على تكلفة التأمين والشحن، وأسعار النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، والتضخم، والأمن الغذائي، وبالتالي على النمو الاقتصادي في دول تمتد جغرافياً بعيداً عن منطقة الصراع
وهنا تظهر أهمية «بريكس» بصورة مختلفة: كلما اتسعت الأزمة الأمنية، أصبحت الحاجة إلى الحفاظ على قنوات التعاون الاقتصادي أكبر.
لكن الاختبار السياسي للمجموعة بدأ قبل انعقاد القمة. فقد أخفق وزراء خارجية دول «بريكس» في التوصل إلى بيان مشترك في مايو الماضي، وسط خلافات حول الحرب في غرب آسيا. كما أن إيران والإمارات، وهما عضوان في المجموعة، تقفان في مواقع مختلفة إزاء عدد من قضايا الصراع الإقليمي.
وهذا يجعل صياغة أي إعلان لقادة «بريكس» بشأن غرب آسيا عملية تفاوض سياسية حقيقية، وليست مجرد إجراء بروتوكولي.
وإذا أضفنا إلى ذلك الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث تحافظ الهند على علاقات مع موسكو وكييف، وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للهند، وهي الأولى له منذ سبع سنوات، فإن قمة نيودلهي تصبح اختباراً واسعاً للدبلوماسية الهندية.
فالهند هنا ليست مجرد الدولة المضيفة؛ إنها في الوقت نفسه مضيف، وقوة اقتصادية صاعدة، وطرف معني بأمن الطاقة، ووسيط محتمل، ودولة تدير شبكة معقدة من العلاقات مع واشنطن وموسكو وبكين وطهران ودول الخليج.
ومن الخطأ اختزال التحديات التي تواجه دول المنطقة في التنافس الإيراني–الخليجي وحده. دول الخليج نفسها تواجه معادلة أمنية واقتصادية شديدة التعقيد. فهي تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا والهند والقوى الآسيوية الصاعدة. كما أنها تعمل على تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، في وقت قد يؤدي فيه استمرار التوتر العسكري إلى تهديد الاستقرار الذي تحتاجه مشاريعها الاستثمارية والتنموية الكبرى. أما إيران، فتواجه تحديات مختلفة: العقوبات والضغوط الاقتصادية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق والتمويل الدولي، والحاجة إلى تنويع شركائها التجاريين، وفتح ممرات اقتصادية جديدة تربطها بآسيا الوسطى وجنوب آسيا.
ومصر تواجه بدورها تحديات مرتبطة بأمن الطاقة والغذاء، وحركة التجارة عبر قناة السويس، والاستثمارات، والضغوط الاقتصادية، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي في قلب النظام العربي.
وهكذا، ورغم اختلاف مصالح هذه الدول، فإنها تواجه مشكلة مشتركة: لا يمكن لأي منها أن يعيش بمعزل عن الاقتصاد العالمي أو أن يتحمل بسهولة كلفة صراع إقليمي مفتوح وطويل.
ومن هنا تصبح بريكس مساحة مهمة، ليس لأنها قادرة بالضرورة على حل الصراعات، وإنما لأنها تستطيع أن توفر قناة للحوار الاقتصادي عندما تفشل القنوات السياسية والأمنية.
الهند والصين: التناقض الأكثر هدوءاً والأكثر أهمية
إذا كان التنافس الخليجي هو التناقض الأكثر وضوحاً في نيودلهي هذا الأسبوع، فإن التناقض الأكثر هدوءاً قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل: يُطلب من الهند والصين، أكبر اقتصادين في المجموعة وأبرز منافسين على القيادة داخلها، أن تتعاونا بشكل وثيق في الوقت الذي تستضيف فيه إحداهما الأخرى.
ويُعد وجود شي جين بينغ في الهند أمراً لافتاً في حد ذاته؛ فهي زيارته الأولى للبلاد منذ سبع سنوات، وهي فجوة زمنية امتدت خلالها تداعيات الاشتباك المميت في وادي جالوان عام 2020، وسنوات من المواجهة العسكرية على طول الحدود المتنازع عليها.
ولم يذُب هذا الجمود إلا جزئياً. فقد حدث تراجع في حدة التصعيد العسكري في لاداخ، لكن لم يتم التوصل إلى تسوية حدودية مستقرة، كما أبقت الهند على القيود المفروضة على الاستثمار الصيني في القطاعات الحساسة، والتي أُقرت منذ عام 2020، رغم تحسن الأجواء السياسية.
ومع ذلك، استمرت التجارة بين البلدين في النمو خلال فترة التوتر، مما منح الحكومتين مصلحة مادية مشتركة في عدم السماح للاحتكاكات السياسية بأن تتحول إلى اضطراب تجاري.
أما النسخة الأكثر حدة من هذا التناقض فهي بنيوية وليست تاريخية: فمن المقرر أن تستضيف الصين قمة مجموعة «بريكس» المقبلة، ومن المتوقع أن تشارك الهند كضيف في منتدى تترأسه الصين، في الوقت الذي تنخرط فيه الدولتان في منافسة لم تُحسم بعد حول من يملك حق تحديد غاية مجموعة «بريكس» واتجاهها المستقبلي.
وقد كانت الهند واضحة في رغبتها في أن تظل المجموعة «منصة شاملة وليست تحالفاً مناهضاً للغر. وفي المقابل، تتجه الرؤية الصينية داخل بريكس بصورة أكثر وضوحاً نحو تقديم المجموعة باعتبارها ثقلاً موازناً للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وهذا ليس خلافاً حول اللهجة أو المصطلحات؛ بل هو خلاف حول وظيفة المجموعة وغايتها الاستراتيجية، ولن يُحل تلقائياً لمجرد أن الزعيمين تصافحا في نيودلهي.وما يجعل هذا التناقض مختلفاً عن التناقض الخليجي هو أن الهند والصين ليستا في حالة حرب، ولكل منهما أسباب واضحة للحفاظ على استمرار التعاون، بغض النظر عن مسار المنافسة بينهما.
كما يشكل البلدان ركيزتين أساسيتين في بريكس وفي مؤسساتها الاقتصادية، بما في ذلك بنك التنمية الجديد. ويريد كل منهما الحد من الاعتماد على المؤسسات المالية التي يهيمن عليها الغرب، وتوسيع البدائل في مجالات التمويل والتجارة والمدفوعات الدولية. ولا تستفيد أي من الدولتين من انقسام بريكس علناً، بالطريقة التي يمكن أن يهدد بها الصراع بين دول الخليج تماسك المجموعة. لذلك، فإن الاختبار الواقعي للتعاون الهندي–الصيني داخل بريكس لا يتمثل في ما إذا كان البلدان سيحلان نزاعهما الحدودي أو يتفقان على الغاية النهائية للمجموعة؛ فمن غير المرجح أن يحدث أي من الأمرين قريباً.
بل يتمثل الاختبار في سؤال أكثر واقعية: هل ستشارك الهند بشكل جوهري في صياغة أجندة القمة التي ستستضيفها الصين، بدلاً من الاكتفاء بالحضور؟ وهل ستستمر الإنجازات العملية وغير السياسية — من التمويل المصرفي والبنية التحتية للمدفوعات إلى تسهيل التجارة — في التقدم، بغض النظر عمن يجلس على رأس الطاولة؟
وهنا قد تكمن إحدى أهم مفارقات بريكس: أن نجاحها لا يتطلب بالضرورة أن تتفق الهند والصين على النظام العالمي الذي تريدانه، بل أن تتفقا على ما يمكن أن تفعلاه معاً رغم اختلافهما حول شكل هذا النظام.
بالنسبة إلى الهند، تنظر نيودلهي إلى القمة من ثلاثة محاور رئيسية: المحور الأول هو قيادة الجنوب العالمي، والمحور الثاني هو الاقتصاد، أما المحور الثالث فهو إدارة التنافس مع الصين وروسيا مع الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي.
وتكتسب العلاقات الهندية مع إيران ودول الخليج أهمية خاصة بسبب ارتباطها المباشر بالأمن القومي والاقتصادي الهندي.
فالهند تعتمد على المنطقة في جزء أساسي من احتياجاتها من الطاقة، كما أن استقرار الخليج يرتبط مباشرة بمصالح ملايين الهنود الذين يعيشون ويعملون في دوله، وبحركة التجارة والتحويلات والاستثمارات.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الهند إلى الحفاظ على علاقتها مع إيران باعتبارها دولة ذات موقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، خصوصاً في ما يتعلق بالربط مع آسيا الوسطى وأفغانستان، وتنويع طرق التجارة والنقل بعيداً عن الاعتماد على مسارات محدودة.لذلك، لا تستطيع نيودلهي أن تنظر إلى إيران والخليج بمنطق “إما هذا أو ذاك”. فالمصلحة الهندية تقتضي الحفاظ على علاقات متوازنة مع الطرفين، وإدارة التباينات بدلاً من تحويلها إلى اصطفافات.
وهنا يظهر جوهر السياسة الهندية الأوسع: التعاون حيث توجد المصلحة، وإدارة الخلاف حيث توجد التباينات، وعدم السماح لأي قوة بفرض خيار ثنائي على نيودلهي.وهذا ربما هو المعنى الحقيقي لصعود صوت الجنوب في قمة بريكس: عالم لا تفرض فيه الخصومات القطيعة، ولا تفرض التحالفات التبعية، وتصبح فيه المصلحة المشتركة أقوى من الخلاف السياسي.
فبريكس ليست اختباراً لقدرة الخصوم على الاتفاق، بل لقدرتهم على الاختلاف من دون أن يتوقف التعاون.



