الأردن بين البقاء والزوال.. كيف نواجه مخطط التهجير.. وهل تنتبه النخب الشعبية وترعوي

الأردن بين البقاء والزوال.. كيف نواجه مخطط التهجير.. وهل تنتبه النخب الشعبية وترعوي

المؤشر 14-09-2026

فؤاد البطانية

في غمرة حرب الأقوياء والمشاريع ، ينهمك الكيان الصهيوني بتنفيذ مخططه في الضفة للسطو على الأرض بلا سكان .أي تصفية الوجود الفلسطيني في فلسطين بتهجير السكان ، ونقل الصراع من فلسطين الى الأردن وعلى الأردن. كمرحلة ومحطة. فالكيان لا يخطط لوطن بديل أو لدولة فلسطينية في الأردن أو في أي مكان على الأرض، كما لا يخطط لأردن ليس تحت سيادته. فهذه العناوين ومضامينها تطعن بمشروعيته دولياً وتشكل تهديدا أمنيا مستمراً على وجوده.

رغم أن التهجير يعني قطعاً انعدام فرصة قيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين، إلا أن الهدف المباشر له هو التوطين الذي يؤسس لمخطط فتنة لصراع أردني – فلسطيني يدخل من خلاله جيش الكيان للأردن علانية لا سراً ً ولا بغطاء أمريكي، بمبررات أمنية نحو مخطط تهجير أخر مع الأردنيين شرقاً. بينما النظام الرسمي العربي صامت، والنظام الأردني لا يكتفي بالصمت بلا أي حراك دولي أو محلي، بل يُشغل ناسه بمسائل ليس الوقت وقتها ولا ظروف تبررها ولا مكان لها على سلم الأولويات .

يُطرح السؤال كيف يمكن للأردن إفشال مخطط التهجير. هنا لا أعتقد أن النظام بحاجة لمعرفة ماذا عليه أو ماذا بإمكانه أن يفعل إذا توفرت الإرادة وصحت النوايا . لكن هذا لا يبدو متوفراً، فلا غيوم نراها لتمطر، بينما إجراءات التصدي المطلوبة طبيعتها استباقية والأمر لا يحتمل الإنتظار والتطنيش الذي نشهده، أو التعمية بالخوض بمسائل أخرى. وفي كل الأحوال فإن أي خطأ في الحسابات قد يكون قاتلاً، وحسابات الداخل هي الأساس القوي والآمن. وإذا تجاوزت قيادة النظام الجبهة الداخلية لأسبابها، فإن الإجراءات المطلوبة عندها متعددة، وهذه حزمة تؤخذ مفرداتها حسب الأولويات التي تفرضها ردود فعل العدو

ـ أولا: وقبل كل شيء تهدئة الجبهة الداخلية بوقف الإستفزازات القمعية وتجميد قوانينها وتبييض السجون من كل سجين سياسي أو سجين رأي .ففي هذا أيضاً رسالة قوية للخارج .

ـ ثانيا: في مثل حالتنا وقدراتنا العسكرية المتواضعة وطبيعة عدونا ، يُفترض المسارعة إلى تشكيل جيش شعبي رديف وسيكون رادعاً قوياً. بل وجود مثل هذا الجيش مطلوب في كل الحالات:

تفعيل مؤسسات الدولة التي ما زالت شكلية كمجلس الأمن القومي ومجلسي الأعيان والنواب والحكومة ، لإنتاج وخدمة المطلوب داخلياً وخارجياً من خلال تشكيل غرفة عمليات لصنع القرارات الميدانية من سياسية وعسكرية . وربما لنا خبرة سابقة مؤلمة في ذلك إبان الأزمة السورية.

 تعريب هذا التهديد وخطورته على الصعيدن الثنائي والجماعي في الجامعة العربية، ثم تدويله إعلاميا وسياسيا والتوجه لوضع الحيثيات وخطورتها أمام المجتمع الدولي على صعيدي مجلس الأمن والجمعية العامة بطلب مشترك من المجموعتين العربية والإسلامية في الأمم المتحدة.

 تفعيل أوراق الضغط التي تشمل وقف كل أشكال التعاون الاستراتيجي مع الكيان ومراجعة التعاون العسكري مع أمريكا ، والتهديد في الظرف المناسب بالتلويح بإلغاء اتفاقية وادي عربه والعودة تبعاً لذلك عن التعليمات الإدارية بفك الإرتباط مع الضفة والمطالبة باستردادها استناداً للقرار 242 الذي يسري على الدول، والتفاهم في هذا مع سلطة رام الله كعائق أساسي. وعلى قاعدة استحضار أن قرار فك الارتباط كان بمثابة تسليم الضفة وهي محتلة إلى إسرائيل.

نعود للجبهة الداخلية كونها المستهدفة صهيونياً لتخوض الحرب على نفسها نيابة عن العدو ً. فحالتها هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تفرد النظام بنهجه وقراراته وعن تهميش الشعب.. مكوناها الشرق والغرب أردنيين، متعايشان لا منسجمان. وهذا لا يصنع شعبا متماسكاً، ولا يشجع النظام على الحس بوجود شعب يحسب له حساب أو يشاركه في القرار أو يعتمد عليه بالمواجهة. وهذا خلل رهيب. ولا بداية سليمة أو أمنة للمواجهة قبل فك هذا اللغز بجهود نخبوية مشتركة لإغلاق منافذ الإختراق الصهيوني وأعوانه للجبهة الداخلية . ولا بد في هذا من ترسيخ الحقيقة أمام الرأي الأخر والمسمم من المكونين، وأقول.

القضية الفلسطينية لم تعد وحدها على المسرح بل تلحق بها توأمها القضية الأردنية التي تتفاعل بصمت وبلا ضجيج . فالقضيتان واحدة في النشأة والمآلات الصهيونية. ففي محصلة المسيرة السياسية الفلسطينية، استولت منظمة التحرير على تمثيل الشعب الفلسطيني وانزلقت نحو أوسلو لتؤسس نظاماً فلسطينياً راكعاً ويؤسس لثقافة ضياع فلسطين . إلا أن وضع فلسطينيي الأردن تشَكَل على مراحل سياسية مرواّ بها قبل وحدة الضفتين وبعدها واكتسبوا بموجبها المواطنة الأردنية وشكلوا خلال أجيال مكوناً رئيسيا من الشعب الأردني، والعبث به هو عبث باستقرار الأردن وبمآلات القضية الفلسطينية المرجوة.

على أن المواطنة الأردنية ما كانت يوما لتعفي الغرب أردني من فلسطينيته ومن مسؤوليته في تحرير أرض أجداده وهذا قدر، ولا من مسؤوليته في اعتبار أي قضية أردنية قضية له. وبالمقابل لا يُعفي الشرق أردني من اعتبار القضية الفلسطينية قضيته الوطنية حتى ولو لم يكن مشمولا على سبيل الفرض الخاطئ بوعد بلفور وبالمشروع الصهيوني. ففصل القضية الفلسطينية – الأردنية الواحدة إلى قضيتين فلسطينية وأردنية يعني فصل الشعب في الأردن إلى شعبين .

وبالمختصر نجحت الصهيونية في استخدام السلطة لفلسطينية لتفريغ القضية من مضمونها، والآن تريد تصفيتها كقضية في الأردن. ولذلك يجدر بالمكون الغرب أردني أن ينتبه لخطورة محاولات الصهيونية التي لم تنقطع بغية استخدامه لطعن القضية الفلسطينية والتآخي الشعبي في الأردن معاً، وذلك بضرورة تجنب كل ما من شأنه إعطاء أي إشارة بالقول أو بالفعل للعدو وللعالم بأن الفلسطينيين لحجمهم الكبير يتطلعون لممارسة حقهم السياسي بتقرير المصير في الأردن بدلاً من ممارسته على أرض فلسطين. فهذا وحده الذي يفسر بالوطن البديل في عرف القانون الدولي. ومع أن الوطن البديل غير موجود في المخطط الصهيوني ومستحيل وجوده في العقلية الفلسطينية، إلا أن هذه هي الذريعة التي تبحث عنها الصهيونية وأعوانها كفزاعة لفتنة أهلية كبرى على شيء وهمي يفتح الطريق على إغلاق ملف القضية الفلسطينية نهائياً بالمفهوم الدولي. والقاعدة الوطنية تقضي، إذا تعارضت حقوق شخصية مع الحق العام للأمة والوطن فالأولوية لحق الوطن والأمة إلى أن تزول الأسباب.