الغارديان: ربع قرن على 11 سبتمبر.. كيف غيّرت الحرب على الإرهاب الولايات المتحدة؟
المؤشر 14-09-2026 بعد مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ترى صحيفة «الغارديان» أن آثار تلك الأحداث لا تزال حاضرة بقوة في الولايات المتحدة وخارجها، مشيرة إلى أن التداعيات لم تقتصر على الحروب التي خاضتها واشنطن في أفغانستان والعراق، بل امتدت إلى بنية المجتمع الأميركي وعلاقة المواطنين بالمؤسسات ومكانة البلاد على الساحة الدولية.
وفي مقال للصحفي ديفيد سميث، خلصت الصحيفة إلى أن رد الولايات المتحدة على الهجمات أدى إلى سلسلة من التحولات التي أعادت تشكيل سياستها الأمنية والخارجية، بدءًا من الحروب والتدخلات العسكرية، وصولًا إلى توسيع صلاحيات المراقبة والأجهزة الأمنية.
من التضامن الدولي إلى «الحروب الأبدية»
وبحسب المقال، واجهت الولايات المتحدة هجمات سبتمبر في بدايتها بحالة واسعة من التضامن الداخلي والتعاطف الدولي، لكن هذه الأجواء سرعان ما تحولت إلى سياسة خارجية اتسمت بالتدخل العسكري المستمر.
ويشير سميث إلى أن واشنطن دخلت في حروب طويلة الأمد، إلى جانب اعتماد ممارسات مثل الاعتقالات والتعذيب والمراقبة واسعة النطاق، وهو ما استنزف موارد مالية وبشرية ضخمة وأثر في صورة الولايات المتحدة ومصداقيتها عالميًا.
ويرى المقال أن هذه السياسة جاءت في وقت كان النظام الدولي يشهد تحولات كبيرة، أبرزها صعود الصين، وهو ما كان يتطلب، بحسب القراءة التي يقدمها، تركيزًا استراتيجيًا مختلفًا من جانب واشنطن.
قانون باتريوت وتوسيع صلاحيات الأمن
ويضع التقرير التحولات التي حدثت داخل الولايات المتحدة في مقدمة الآثار بعيدة المدى لهجمات 11 سبتمبر.
فبعد أقل من شهرين على الهجمات، أقر الكونغرس الأميركي «قانون باتريوت»، الذي وسع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات في مجالات المراقبة والتحقيق، وأثار منذ ذلك الوقت جدلًا واسعًا بشأن التوازن بين الأمن القومي والحريات المدنية.
ويرى المقال أن بعض الإجراءات التي قُدمت في البداية باعتبارها استثنائية ومرتبطة بظروف مواجهة الإرهاب تحولت مع مرور الوقت إلى ممارسات أكثر رسوخًا في منظومة الأمن الأميركية.
من مكافحة الإرهاب إلى البحث عن «عدو داخلي»
ويستشهد المقال بآراء عدد من الخبراء الذين يعتقدون أن سنوات الخوف من الإرهاب ساهمت في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على البحث المستمر عن تهديد داخلي.
وبحسب هذه القراءة، تغيرت صورة «العدو» مع مرور الوقت؛ فبعد أن ارتبطت بصورة أساسية بالإرهابيين والمسلمين، توسعت لتشمل في مراحل لاحقة المهاجرين وبعض الأقليات والمحتجين وحتى الخصوم السياسيين.
ويحذر المقال من أن الأدوات الأمنية التي طورتها الولايات المتحدة خلال الحرب على الإرهاب لم تبقَ محصورة في العمليات الخارجية، وإنما بدأت تستخدم في التعامل مع قضايا داخلية، بما فيها الهجرة والاحتجاجات.
انتقادات لممارسات التعذيب
وتناول التقرير كذلك ملف التعذيب والاعتقالات التي ارتبطت بالحرب الأميركية على الإرهاب.
ونقل عن أستاذ التاريخ جيريمي فارون، العضو البارز في منظمة «شهود ضد التعذيب»، انتقاده للسياسات التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة، معتبرًا أنها تضمنت ممارسات تتعارض مع القانون الدولي والتشريعات الأميركية، وأن القسوة أصبحت جزءًا من منظومة الحرب على الإرهاب.
ويرى المقال أن الجدل حول تلك الممارسات لا يتعلق بالماضي فقط، بل يمتد إلى الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة اليوم إلى سيادة القانون وحدود سلطات الدولة.
علاقة بإرث ترامب السياسي
ويربط سميث بين المناخ السياسي الذي نشأ بعد هجمات سبتمبر وصعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أن تصاعد القومية وكراهية الأجانب وتراجع الثقة بالمؤسسات الحكومية وفّر أرضية سياسية ساعدت على انتشار خطاب ترامب.
ويذهب المقال إلى أن بعض الممارسات التي نشأت في إطار مكافحة الإرهاب عادت للظهور داخل الولايات المتحدة بأشكال مختلفة، خصوصًا في التعامل مع المهاجرين والاحتجاجات، وهو ما يصفه بأنه انتقال لجزء من «الحرب على الإرهاب» إلى الداخل الأميركي.
تأثيرات تجاوزت حدود الولايات المتحدة
ولا تتوقف تداعيات 11 سبتمبر، بحسب «الغارديان»، عند حدود السياسة الأميركية الداخلية.
فالحرب في العراق وأفغانستان تركت آثارًا عميقة على منطقة الشرق الأوسط وعلى النظام الدولي، وأسهمت في تعزيز نفوذ إيران، إلى جانب خلق بيئة ساعدت على ظهور أزمات وحركات متطرفة في مناطق مختلفة من العالم.
كما يشير المقال إلى الكلفة البشرية الكبيرة لهذه الحروب، ولا سيما بين المدنيين، فضلًا عن التداعيات السياسية والاجتماعية التي استمرت بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية.
هل جعل الرد على 11 سبتمبر أميركا أكثر أمناً؟
وبعد مرور ربع قرن، يطرح المقال سؤالًا يتجاوز تفاصيل الهجمات نفسها: هل جعلت الاستجابة الأميركية الولايات المتحدة أكثر أمنًا، أم أنها ساهمت في زيادة الانقسام الداخلي وإضعاف نفوذها الدولي؟
ويرى التقرير أن الإجابة لا يمكن فصلها عن التكلفة الاقتصادية الهائلة للحروب التي خاضتها واشنطن، إذ يتساءل عن النتائج التي كان من الممكن تحقيقها لو وُجهت الأموال التي أنفقت على العمليات العسكرية إلى قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية ومواجهة تغير المناخ وتطوير الاقتصاد الأميركي.
ويخلص المقال إلى أن هجمات 11 سبتمبر لم تكن وحدها سبب الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم، لكنها، وفق الشهادات والآراء التي يستعرضها، سرعت مسارات سياسية واجتماعية أسهمت في تراجع الثقة بالمؤسسات، وزيادة الاستقطاب، وتحديات مرتبطة بسيادة القانون.
وبذلك، فإن إرث 11 سبتمبر، بعد 25 عامًا، لا يتعلق فقط بما حدث في ذلك اليوم، وإنما أيضًا بالقرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة بعده والآثار التي لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع الأميركي والسياسة العالمية.



