نيويورك تايمز: ضغوط إدارة ترامب على الإعلام تثير جدلًا حول حرية الصحافة

نيويورك تايمز: ضغوط إدارة ترامب على الإعلام تثير جدلًا حول حرية الصحافة

المؤشر 14-09-2026   تتزايد في الولايات المتحدة حدة الجدل حول حدود صلاحيات السلطة التنفيذية وعلاقتها بوسائل الإعلام، في ظل توسيع إدارة الرئيس دونالد ترامب نطاق استخدام الأدوات الحكومية والقانونية في مواجهة مؤسسات صحفية وصحفيين ينتقدون سياساتها.

وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يرى الكاتبان جيم روتنبرغ وماغي هابرمان أن المواجهات المستمرة بين ترامب ووسائل الإعلام تحولت إلى تحرك أوسع تسعى الإدارة من خلاله إلى التأثير في طبيعة الخطاب العام، عبر الاستعانة بوزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI» ووزارة الدفاع، إلى جانب الهيئات التنظيمية والمحاكم.

إجراءات بحق صحفيين ومؤسسات إعلامية

وبحسب التقرير، وصل عملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى منازل عدد من الصحفيين لتسليمهم مذكرات استدعاء، فيما تضمنت إحدى الحالات مذكرة تفتيش تهدف إلى مصادرة أجهزة.

وفي وزارة الدفاع، فرض مسؤولون قيودًا جديدة على بعض الصحفيين الذين رفضوا التوقيع على تعهدات تتعلق بضوابط تغطيتهم الإخبارية.

كما دخل ترامب في مواجهات قانونية مع عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى، بالتزامن مع انتقال إدارة البيت الأبيض إلى التحكم في آلية اختيار المؤسسات الصحفية التي تشارك في تجمع الصحافة الذي يغطي أنشطة الرئيس، بعدما كان يتمتع باستقلالية أكبر في السابق.

الإدارة تتحدث عن «المساءلة» والمنتقدون يحذرون

وتدافع الإدارة الأميركية عن تحركاتها باعتبارها إجراءات تهدف إلى محاسبة وسائل إعلام تعتبرها منحازة أو غير دقيقة في تغطيتها.

لكن منظمات معنية بحرية التعبير والصحافة ترى أن هذه الخطوات تحمل هدفًا مختلفًا، يتمثل في الضغط على وسائل الإعلام المنتقدة وردعها، إضافة إلى خلق حالة من الخوف قد تؤثر في طبيعة التغطية الصحفية.

ونقلت «نيويورك تايمز» عن كلايتون وايمرز، المدير التنفيذي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» في أمريكا الشمالية، أن المنظمة رصدت تراجعًا واضحًا في مستوى حرية الصحافة، معتبرًا أن الإجراءات التي تتخذها الإدارة تمثل خطوات إضافية في هذا الاتجاه.

القضاء يوقف بعض تحركات الإدارة

ورغم تصاعد المواجهة، لم تمر جميع إجراءات الإدارة دون اعتراض قضائي. فقد أصدرت محاكم أميركية أحكامًا في عدد من القضايا أكدت فيها حماية حرية التعبير والصحافة التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي.

إلا أن التقرير يلفت إلى أن اللجوء إلى القضاء لا يعني بالضرورة إزالة الأضرار الناجمة عن هذه المواجهات؛ فالمؤسسات والصحفيون قد يتحملون تكاليف قانونية كبيرة، فضلًا عن الأضرار التي قد تلحق بسمعتهم، وهو ما يمكن أن يشكل بحد ذاته عامل ردع.

وفي إحدى القضايا، تراجعت وزارة العدل عن مذكرات استدعاء استهدفت صحفيين في «نيويورك تايمز» بعد اعتراضات أمام القضاء، بينما أبقت محكمة استئناف بصورة مؤقتة على قيود جديدة تتعلق بوصول الصحفيين إلى وزارة الدفاع.

تحركات تنظيمية تجاه شبكات التلفزيون

ويتناول التقرير كذلك دور بريندان كار، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، الذي استخدم صلاحيات وقواعد تنظيمية قديمة لفتح تحقيقات بشأن عدد من شبكات البث الكبرى.

وشملت هذه الإجراءات قواعد تتعلق بدقة الأخبار وممارسات التنوع، وهو ما أثار بدوره مخاوف من استخدام الصلاحيات التنظيمية للضغط على المؤسسات الإعلامية بسبب مضمون ما تنشره أو تبثه.

وتبرز شبكة «إيه بي سي» ضمن الأمثلة التي يستعرضها التقرير، خصوصًا بعد مطالبة ترامب وزوجته بإقالة مقدم البرامج جيمي كيميل.

وبالتزامن مع ذلك، بدأت لجنة الاتصالات مراجعة تراخيص بعض محطات الشبكة، الأمر الذي دفع «إيه بي سي» إلى وصف الإجراءات بأنها ذات طابع انتقامي، معتبرة أنها أثرت في قراراتها التحريرية.

مخاوف من تأثير طويل الأمد

ويرى مدافعون عن حرية الصحافة أن المشكلة لا تقتصر على القضايا التي تصل إلى المحاكم، وإنما تكمن أيضًا في التأثير المحتمل لتكرار التحقيقات والدعاوى والقيود التنظيمية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يدفع مؤسسات إعلامية وصحفيين إلى تجنب الملفات الحساسة أو تخفيف انتقاداتهم للسلطة، خشية الدخول في مواجهات قانونية أو تنظيمية مكلفة.

ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة تراجعت إلى المركز 64 من أصل 180 دولة في تصنيف «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة، في حين تعكس مؤشرات دولية أخرى اتجاهًا مشابهًا.

سابقة تاريخية للمواجهة بين الرئاسة والإعلام

ولا يقدم التقرير تحركات إدارة ترامب باعتبارها ظاهرة بلا سوابق، إذ يستعرض عددًا من المحطات التاريخية التي شهدت توترًا بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام.

ومن بين الأمثلة التي يذكرها التقرير إجراءات الرقابة التي اتخذتها إدارة الرئيس وودرو ويلسون خلال الحرب العالمية الأولى، وقائمة «أعداء» الرئيس ريتشارد نيكسون، إضافة إلى التحقيقات التي أجرتها إدارة باراك أوباما بشأن مصادر بعض الصحفيين

لكن المدافعين عن حرية الصحافة يرون أن تكرار هذه الممارسات في الوقت الحالي، حتى عندما تنتهي بعض المواجهات بأحكام قضائية ضد الإدارة، قد يؤدي إلى إضعاف الأعراف التي كرست استقلال الإعلام، وخلق بيئة أكثر صعوبة أمام الصحفيين والمؤسسات التي تسعى إلى مساءلة السلطة.