توتر الجزائر والإمارات يتصاعد.. اتهامات بمحاولات استغلال ملف الهوية واتصالات عربية لاحتواء تداعيات القطيعة

توتر الجزائر والإمارات يتصاعد.. اتهامات بمحاولات استغلال ملف الهوية واتصالات عربية لاحتواء تداعيات القطيعة

المؤشر 13-09-2026   تتواصل تداعيات قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، وسط تصاعد المواقف السياسية الجزائرية التي تتهم أبوظبي بالتدخل في ملفات داخلية وإقليمية حساسة، من بينها ملف الهوية الوطنية ومحاولة التأثير في التوازنات السياسية والاجتماعية داخل البلاد.

وفي أحدث المواقف، حذّر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، المعروف اختصارًا بـ"الأرسيدي"، من تداعيات ما وصفه بمحاولات قوى خارجية استغلال الانقسامات الهوياتية والسياسية في الجزائر.

وقال الحزب، في بيان، إن السياسة الإماراتية القائمة على توسيع النفوذ الإقليمي لا يمكن فصلها، بحسب تقديره، عن "أذرع أيديولوجية وسياسية" قال إنها تطورت داخل الجزائر، مشيرًا إلى وجود دعم خارجي لبعض التيارات والشبكات التي تتبنى ما يعرف بـ"الباديسية النوفمبرية"، أو توظف هذا الخطاب في العمل السياسي.

ويرتبط مصطلح "الباديسية النوفمبرية" بتيار فكري وسياسي برز بشكل أكبر خلال السنوات الماضية، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويمزج بين مرجعيات إسلامية وأخرى ذات طابع قومي عربي. ويواجه هذا التيار انتقادات من أطراف أمازيغية وسياسية تعتبر أن بعض خطاباته تنتقص من البعد الأمازيغي في الهوية الجزائرية.

وحذر "الأرسيدي" من أن توظيف الخلافات الداخلية من طرف جهات أجنبية قد يتجاوز حدود المنافسة السياسية، ليشكل تهديدًا للتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية. وشدد الحزب على أن أي تدخل خارجي يستثمر في الانقسامات الداخلية يستوجب، وفق تعبيره، "يقظة خاصة".

وفي الوقت نفسه، أكد الحزب أن حماية الوحدة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للإقصاء أو التضييق السياسي، معتبرًا أن الحفاظ على تماسك المجتمع يجب أن يستند إلى المواطنة ودولة القانون والديمقراطية، مع احترام مختلف مكونات الهوية الجزائرية.

اتهامات متبادلة بشأن الملف الأمازيغي

وتأتي هذه التصريحات في ظل اتهامات جزائرية متزايدة للإمارات بالتدخل في قضايا مرتبطة بالهوية الوطنية. وكان الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني قد اتهم أبوظبي، عقب قرار قطع العلاقات، بتقديم ما وصفه بـ"دعم فعلي ومعلن" لحركة "الماك"، مشيرًا إلى إتاحة منابر دولية لها، وهو ما اعتبره دعمًا لجهات تدعو إلى الانفصال.

وتطرح هذه الاتهامات صورة لما يعتبره منتقدو السياسة الإماراتية "توظيفًا متناقضًا" للملف الهوياتي الجزائري، إذ تتهم أبوظبي من جهة بدعم حركة "الماك" التي ترفع شعار الدفاع عن الأمازيغية وتدعو إلى مشروع انفصالي في منطقة القبائل، بينما تواجه من جهة أخرى اتهامات بالسماح بخطاب إعلامي ينتقد الأمازيغية وينفي عنها مكانتها ضمن الهوية الجزائرية.

وكان التلفزيون الجزائري الرسمي قد شن، العام الماضي، هجومًا على الإمارات بعد استضافة إحدى قنواتها المؤرخ محمد الأمين بلغيث، الذي أثار جدلًا واسعًا بتصريحات شكك فيها في وجود ثقافة أمازيغية، ووصف الأمازيغية بأنها "مشروع أيديولوجي صهيوني فرنسي".

واعتبر التلفزيون الجزائري آنذاك أن بث تلك التصريحات يمثل تصعيدًا إعلاميًا يمس وحدة الشعب الجزائري وهويته، متهمًا الإمارات بمحاولة التشكيك في أصول الجزائر وتاريخها.

دعم سياسي لقرار القطيعة

وبالتوازي مع الجدل حول الملف الهوياتي، تتواصل المواقف السياسية الجزائرية المؤيدة لقرار قطع العلاقات مع أبوظبي.

وأعلن حزب جبهة التحرير الوطني دعمه للقرار، معتبرًا أن ما وصفه بـ"الممارسات والسلوكات العدائية" الصادرة عن الإمارات كانت وراء الوصول إلى مرحلة القطيعة.

ودعا الأمين العام للحزب عبد الكريم بن مبارك، خلال نشاط حزبي، مختلف القوى السياسية والمجتمع المدني والنخب إلى تعزيز الجبهة الداخلية وتوحيد الصفوف، محذرًا من أي ممارسات من شأنها زيادة الانقسامات في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.

عطاف يجري اتصالات مع القاهرة ومسقط

وفي خضم التطورات، كثفت الجزائر اتصالاتها مع عدد من الدول العربية. وأجرى وزير الخارجية أحمد عطاف اتصالًا هاتفيًا مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، بحث خلاله الجانبان سبل تطوير العلاقات الجزائرية المصرية، خصوصًا في الجوانب الاقتصادية والتجارية.

كما تناول الاتصال عددًا من الملفات الإقليمية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين بشأن القضايا العربية والأفريقية.

وفي اتصال آخر، بحث عطاف مع وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون بين الجزائر وسلطنة عمان، إضافة إلى التطورات الإقليمية.

وأكد الوزيران، وفق المعطيات المعلنة، دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد واعتماد المسار الدبلوماسي بما يساهم في حماية الأمن والاستقرار في المنطقة.

مغادرة السفير الإماراتي الجزائر

وتزامنت هذه التحركات مع انتهاء المهلة التي حددتها السلطات الجزائرية للسفير الإماراتي لمغادرة البلاد.

وكانت وزارة الخارجية الجزائرية قد استدعت السفير الإماراتي وأبلغته رسميًا بقرار قطع العلاقات، قبل أن تمنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة الأراضي الجزائرية. وتحدثت تقارير إعلامية لاحقًا عن مغادرته البلاد رفقة أفراد طاقمه وعائلته.

وبررت الجزائر قرارها بما وصفته بتزايد "التصرفات الاستفزازية أو العدائية" الصادرة عن الإمارات، مؤكدة أنها حاولت طوال الفترة الماضية الحفاظ على العلاقات الثنائية، وأبدت قدرًا من ضبط النفس والمسؤولية.

وقالت الخارجية الجزائرية إن السلطات وجهت في مناسبات سابقة تحذيرات إلى الجانب الإماراتي بشأن ما اعتبرته عواقب خطيرة لسلوكياته، قبل أن تصل الخلافات إلى مرحلة لم تعد معها تلك التصرفات، وفق الموقف الجزائري، قابلة للقبول أو التحمل.

وأوضحت الوزارة أن قرار القطيعة جاء بعد استنفاد مختلف الوسائل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية.

ويأتي التصعيد الحالي بعد سنوات من التراجع التدريجي في مستوى العلاقات بين الجزائر وأبوظبي، قبل أن تنتقل الخلافات إلى العلن وتتشعب لتشمل ملفات إقليمية وسياسية، إلى جانب اتهامات جزائرية للإمارات بالتدخل في قضايا تعتبرها الجزائر مرتبطة بأمنها ومصالحها الوطنية.