هآرتس: المستوطنون يوسعون نفوذهم في الضفة والجيش يتحول إلى قوة حماية لهم

هآرتس: المستوطنون يوسعون نفوذهم في الضفة والجيش يتحول إلى قوة حماية لهم

المؤشر 13-08-2026  قال المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عاموس هارئيل إن الضفة الغربية المحتلة تشهد تحولات واسعة في ظل تصاعد نشاط المستوطنين وتراجع قدرة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، معتبراً أن الجيش بات في حالات عديدة يؤدي دوراً يتمثل في حماية المستوطنين بدلاً من منع اعتداءاتهم على الفلسطينيين.

وأوضح هارئيل أن الأشهر الأخيرة شهدت، وفق تقديره، تراجعاً كبيراً في سيطرة قوات الأمن الإسرائيلية على الأوضاع في الضفة، بالتزامن مع توسع المستوطنين في إقامة البؤر والمزارع والاستيلاء على مساحات جديدة من الأراضي.

ويقدر عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بنحو 750 ألف شخص، موزعين على مستوطنات وبؤر استيطانية عديدة، في وقت تتزايد فيه الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وسط مخاوف فلسطينية من أن تؤدي هذه السياسة إلى دفع مزيد من السكان نحو النزوح القسري.

توسع المستوطنين في مناطق جديدة

وأشار هارئيل إلى أن المستوطنين، وبدعم من شخصيات سياسية داخل الائتلاف الحاكم، يعملون على توسيع وجودهم في مناطق من الضفة الغربية، بما فيها أراضٍ تقع ضمن المنطقة "باء".

وبحسب ترتيبات أوسلو الثانية الموقعة عام 1995، قسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق رئيسية؛ تخضع المنطقة "ألف" للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية، بينما تتمتع السلطة الفلسطينية بالمسؤولية المدنية في المنطقة "باء" مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية، في حين تقع المنطقة "جيم" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة.

وقال المحلل الإسرائيلي إن المستوطنين أقاموا خلال الفترة الأخيرة عشرات المزارع والبؤر الجديدة، بالتوازي مع ضغوط متزايدة على التجمعات الفلسطينية لدفعها إلى مغادرة أراضيها.

وتشمل الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفق ما أورده التقرير، عمليات قتل وإحراق وتخريب للممتلكات وهدم منشآت وتجريف أراضٍ زراعية، إضافة إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وتوسيع المستوطنات والبؤر على حساب الأراضي الفلسطينية.

اتهامات بتعاون أمني مع المستوطنين

ويرى هارئيل أن المشكلة لا تقتصر على عدم منع الاعتداءات، إذ يتهم الجيش والشرطة في بعض الحالات بالتغاضي عن ممارسات المستوطنين، بينما يُفترض أن تكون القوات المنتشرة في المنطقة مسؤولة عن فرض القانون.

وقال إن قوات الأمن كثيراً ما ترافق المستوطنين بهدف حمايتهم أثناء تحركاتهم، بينما وقعت، بحسب روايته، حالات تعاون متعمد بين جنود وأفراد شرطة ومستوطنين خلال اعتداءات على الفلسطينيين.

وتثير هذه التطورات مخاوف فلسطينية من أن تكون الإجراءات الميدانية والسياسات الاستيطانية جزءاً من مسار أوسع يهدف في نهاية المطاف إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل، بما يقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأشار هارئيل إلى أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين كباراً باتوا يعبرون عن قلقهم من حالة الفوضى وغياب تطبيق القانون في أجزاء من الضفة، بينما تتجه تصريحات عدد من السياسيين نحو مزيد من التشدد، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الداخلية في حزب الليكود.

قصرة نموذجاً

واستشهد المحلل العسكري بما حدث في قرية قصرة جنوب نابلس باعتباره مثالاً على طبيعة العلاقة المتوترة بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية.

وقال إن قوة عسكرية صغيرة من جنود الاحتياط التابعة لقيادة الجبهة الداخلية ظهرت، خلال أحداث الاثنين في القرية، وكأنها تعمل بصورة أساسية لخدمة المستوطنين الذين أقاموا بؤرة على أراضٍ فلسطينية خاصة.

وبحسب هارئيل، ساعدت القوة المستوطنين في البقاء بالموقع، في وقت حاول فيه هؤلاء إبعاد أصحاب الأرض عن منازلهم، كما اتهم الجنود باستخدام القوة لمنع صحفيين من "هآرتس" من الاقتراب من مكان الأحداث.

وتعكس واقعة قصرة، وفق تحليله، مشكلة أوسع تتعلق بحدود تدخل القوات الإسرائيلية في اعتداءات المستوطنين، وما إذا كانت الأولوية تعطى لحماية المدنيين الفلسطينيين وإنفاذ القانون أم لتأمين المستوطنين ونشاطهم في المناطق التي يتوسع فيها وجودهم.

"تغيير جذري" في شكل الضفة

وحذر هارئيل من أن الخريطة الميدانية للضفة الغربية تتغير بصورة متسارعة، مع اتساع مساحة الأراضي التي بات المستوطنون يسيطرون عليها نتيجة إقامة بؤر ومزارع جديدة.

وقال إن المبادرات الاستيطانية المدعومة من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أدت إلى إنشاء مناطق احتكاك جديدة بين الفلسطينيين والمستوطنين، الأمر الذي دفع الجيش إلى تخصيص أعداد كبيرة من القوات لحماية المستوطنات والبؤر.

ويرى المحلل أن هذا الواقع أدى إلى نشوء منظومة تجمع بين الدعم السياسي من مسؤولين ووزراء وشخصيات محلية، وبين النشاط الميداني للمستوطنين، وهو ما وصفه بأنه تداخل بين "جناح سياسي" و"جناح عسكري" يعمل على الأرض.

وبحسب هارئيل، فإن الهدف النهائي لهذا المسار يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم والسيطرة على مساحات إضافية منها، معتبراً أن ما جرى في قصرة كان حالة شديدة الوضوح، لكنه ليس حادثة معزولة.

القانون تحت الاختبار

وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة تعتبر الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضي فلسطينية محتلة، وتعتبر التغييرات التي تجريها إسرائيل في وضع الأراضي المحتلة مخالفة للقانون الدولي.

ويخلص هارئيل إلى أن تراجع تطبيق القانون في أجزاء من الضفة يضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار متزايد، خصوصاً في ظل النفوذ السياسي المتنامي لقيادات المستوطنين.

وقال إن عدداً من الضباط الذين لا يشاركون هذا النهج يجدون أنفسهم تحت ضغط سياسي، في وقت تحاول فيه القيادات العسكرية العليا تجنب الصدام مع قادة المستوطنات.

وبذلك، لا يرى هارئيل أن ما يحدث في الضفة مجرد سلسلة من الحوادث المنفصلة، بل تحولاً أوسع في طبيعة السيطرة على الأرض، حيث يترافق توسع المستوطنين مع تصاعد الاحتكاك بالفلسطينيين وتزايد الدور الذي تضطلع به القوات الإسرائيلية في حماية هذا الواقع الجديد.