انتخابات 2026.. الكونغرس الأميركي أمام معركة تتجاوز صراع الجمهوريين والديمقراطيين

انتخابات 2026.. الكونغرس الأميركي أمام معركة تتجاوز صراع الجمهوريين والديمقراطيين

 المؤشر 13-08-2026   مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، تتجه المنافسة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما بدأت عوامل جديدة تؤثر في سباق السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، من بينها صعود مرشحين يتحدون قيادات أحزابهم، واستمرار سياسيين في خوض الانتخابات رغم أزمات واتهامات مثيرة للجدل، فضلاً عن تراجع حضور بعض أعضاء الكونغرس في اللقاءات المفتوحة مع ناخبيهم.

وتشير تغطيات إعلامية أميركية إلى أن هذه التطورات تعكس تحولاً في طبيعة المنافسة السياسية، بحيث لم يعد الانتماء الحزبي وحده كافياً لتحديد فرص المرشح، بل باتت شخصيته وقدرته على تحمل الضغوط والهجمات السياسية عاملاً مؤثراً في تحديد مسار السباق.

تمرد على قيادات الحزبين

وأعادت نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة ترتيب حسابات الحزبين، بعدما تمكن عدد من المرشحين غير المحسوبين بالكامل على المؤسسة الحزبية من تحقيق انتصارات لافتة.

ومن أبرز الأمثلة فوز التقدمي عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان على حساب هيلي ستيفنز، التي كانت تحظى بدعم من قيادة الحزب.

ويستعد السيد الآن لخوض الانتخابات العامة في مواجهة الجمهوري مايك روجرز في ولاية تعد من الولايات المهمة في حسم السيطرة على مجلس الشيوخ. وبينما يرى بعض الديمقراطيين أن اختيار مرشح أكثر تقدمية قد يزيد صعوبة المنافسة في الانتخابات العامة، ينظر الجناح التقدمي إلى النتيجة باعتبارها مؤشراً على رغبة القاعدة الديمقراطية في الابتعاد عن خيارات المؤسسة التقليدية.

ولا يقتصر التمرد على الجانب الديمقراطي، إذ شهدت الانتخابات التمهيدية الجمهورية بدورها سباقات تمكن خلالها مرشحون من تجاوز خيارات القيادات الحزبية، بما في ذلك مرشحون لم يحظوا بالدعم المتوقع من الرئيس دونالد ترامب.

وفي عدد من الدوائر، اضطرت القيادة الجمهورية إلى التعامل مع مرشحين فرضوا أنفسهم عبر الانتخابات التمهيدية، في وقت ساهمت فيه التحقيقات والفضائح في تحويل بعض المقاعد التي كانت تبدو مضمونة للجمهوريين إلى سباقات تنافسية.

ويأمل الجمهوريون في المقابل في توظيف فوز المرشحين الديمقراطيين الأكثر تقدمية لصالحهم، عبر تصوير الحزب الديمقراطي باعتباره يتجه أكثر نحو اليسار، وهو ما يجعل الانتخابات التمهيدية نفسها ساحة للصراع على هوية كل حزب، وليس مجرد آلية لاختيار مرشحيه.

"السياسي المقاتل" يتقدم

وترتبط هذه التحولات بصعود صورة جديدة للسياسي في أوساط الناخبين، تقوم على الظهور بمظهر الشخص الذي لا يتراجع تحت الضغط ولا يخشى مواجهة خصومه أو المؤسسة السياسية.

وترى تحليلات أميركية أن هذه الصورة اكتسبت زخماً أكبر منذ صعود ترامب، إذ بات بعض الناخبين ينظرون إلى قدرة السياسي على تحمل الهجمات والاستمرار في المعركة باعتبارها دليلاً على القوة وليس سبباً للانسحاب.

لكن هذا التحول يحمل جانباً آخر، يتمثل في إمكانية استخدام خطاب "الصمود" للدفاع عن سياسيين يواجهون فضائح أو اتهامات خطيرة.

ويبرز النائب الجمهوري عن ولاية أوهايو ماكس ميلر في هذا السياق، إذ يواجه اتهامات بالعنف الأسري من زوجته السابقة، وهي اتهامات ينفيها، في حين طالب بعض الجمهوريين باستقالته وإنهاء حملته لإعادة انتخابه.

ومع ذلك، واصل ميلر حملته، مقدماً تمسكه بالسباق بوصفه شكلاً من أشكال الصمود السياسي، ومستنداً إلى نموذج ترامب الذي واجه خلال مسيرته السياسية سلسلة من الاتهامات والأزمات واستمر رغم ذلك في المنافسة.

وتكشف هذه الحالة عن تغير محتمل في مفهوم المساءلة السياسية داخل جزء من القاعدة الانتخابية، حيث لم يعد الانسحاب من السباق نتيجة أزمة أو فضيحة يُنظر إليه دائماً باعتباره الخيار الطبيعي، بل قد يفسره بعض الناخبين على أنه علامة ضعف أو استسلام للضغوط.

الظاهرة تطال الديمقراطيين أيضاً

ولا تبدو هذه الظاهرة حكراً على الجمهوريين، إذ قدم عبد الرحمن السيد نفسه كذلك باعتباره مرشحاً مستعداً لمواجهة المؤسسة السياسية وعدم التراجع أمام الضغوط.

وفي ولاية مين، أظهر سباق غراهام بلاتنر بدوره مدى قدرة بعض المرشحين على الاستمرار في مواجهة سلسلة من الأزمات السياسية والإعلامية، قبل أن ينتهي الأمر بانسحابه من المنافسة.

وتشير هذه الحالات مجتمعة إلى أن قواعد الحزبين أصبحت أكثر استعداداً لمنح فرص سياسية لمرشحين يتحدون المؤسسة، حتى عندما تحيط بهم أزمات كان من الممكن أن تؤدي في الماضي إلى إنهاء حملاتهم مبكراً.

النواب يبتعدون عن الناخبين

في موازاة ذلك، تتراجع اللقاءات الجماهيرية المفتوحة التي كانت تمثل تقليداً راسخاً في العلاقة بين أعضاء الكونغرس وناخبيهم، خصوصاً خلال عطلة أغسطس/آب.

وبحسب ما أوردته "أكسيوس"، أصبح عدد من أعضاء الكونغرس أكثر ميلاً إلى تجنب الاجتماعات المفتوحة، خشية تحولها إلى مواجهات سياسية حادة أمام وسائل الإعلام والكاميرات.

وأظهرت بيانات "ليجيستورم" أن 11 عضواً فقط في الكونغرس كانت لديهم لقاءات جماهيرية معلنة لبقية شهر أغسطس/آب، في مؤشر على تراجع هذا النوع من التواصل المباشر.

ويرتبط هذا التوجه، جزئياً، بالمشاهد التي شهدها العام الماضي عندما واجه عدد من النواب الجمهوريين احتجاجات وأسئلة غاضبة من ناخبين على خلفية سياسات إدارة ترامب، بما في ذلك ملف تسريح موظفين اتحاديين، وخفض الإنفاق، ودور وزارة الكفاءة الحكومية.

ويفضل بعض النواب، في ظل هذه الأجواء، التواصل مع الناخبين عبر وسائل أكثر تحكماً، مثل الاجتماعات المحدودة ووسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الانتخابية، بدلاً من الوقوف أمام جمهور مفتوح قد يطرح أسئلة صعبة أو يحول اللقاء إلى مواجهة سياسية.

الابتعاد عن الناخبين قد يكون مكلفاً

لكن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر انتخابية. فالنائب الجمهوري مايك فلود يرى أن التواصل المباشر مع الناخبين، حتى عندما يكون صعباً أو متوتراً، يظل ضرورياً لبناء الثقة.

ويعتقد فلود أن الناخبين المستقلين على وجه الخصوص يريدون رؤية ممثليهم وجهاً لوجه والاستماع إلى مواقفهم مباشرة، بدلاً من الاعتماد فقط على الإعلانات الانتخابية والمنشورات السياسية ومواقع التواصل.

وبذلك، يجد أعضاء الكونغرس أنفسهم أمام معادلة صعبة: قاعدة حزبية تريد سياسيين أكثر صلابة وقدرة على المواجهة، بينما يحتاج المرشح في الانتخابات العامة إلى مخاطبة الناخبين المستقلين والمترددين، الذين قد لا يتقبلون دائماً الخطاب السياسي الأكثر حدة.

الاقتصاد وترامب في قلب السباق

وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات شديدة الحساسية قد تتحدد نتيجتها بفارق محدود في عدد من المقاعد.

وأظهر استطلاع حديث أجرته "واشنطن بوست" بالتعاون مع "إبسوس" تقدماً محدوداً للديمقراطيين في التفضيل العام بشأن الحزب الذي يفضله الناخبون لقيادة الكونغرس، مع تسجيل حماس أكبر بين الناخبين الديمقراطيين للمشاركة في انتخابات 2026.

وفي المقابل، يظل الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز القضايا التي تشغل الناخب الأميركي، بينما يستمر ترامب في لعب دور محوري في حسابات الحزبين؛ فهو عنصر تعبئة أساسي للجمهوريين، وفي الوقت نفسه يمثل دافعاً رئيسياً لحشد المعارضة الديمقراطية.

ولهذا، فإن انتخابات التجديد النصفي لن تكون مجرد استفتاء على أداء إدارة ترامب أو على شعبية الرئيس، بل ستكون أيضاً اختباراً لقدرة كل حزب على إدارة قواعده واختيار مرشحين يمكنهم الانتقال من الانتصار في الانتخابات التمهيدية إلى الفوز في الانتخابات العامة.

معركة على هوية السياسي الأميركي

وتكشف التطورات الأخيرة عن أزمة أوسع في العلاقة بين الناخبين والمؤسسة السياسية الأميركية.

فالناخبون يطالبون في الوقت نفسه بمرشحين أكثر جرأة واستعداداً للدفاع عن مواقفهم، لكنهم يريدون أيضاً أن يكون هؤلاء السياسيون مستعدين لمواجهة جمهورهم والإجابة عن الأسئلة الصعبة.

وفي المقابل، أصبح بعض المرشحين أكثر حساسية تجاه الانتقادات، فيما بات جزء من القواعد الحزبية ينظر إلى الهجمات الإعلامية والسياسية باعتبارها محاولات من المؤسسة لإسقاط المرشح الذي اختارته القاعدة.

وبذلك، تجري معركة الكونغرس في 2026 على مستويين متداخلين: الأول يتعلق بمن سيسيطر على مجلسي النواب والشيوخ، والثاني يتعلق بالصورة التي يريدها الناخب الأميركي للسياسي الذي يمثله.

وقد يكون السؤال الحاسم في نوفمبر/تشرين الثاني ليس فقط أي حزب سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، وإنما أي نموذج سياسي سينجح: مرشح يقدّم نفسه باعتباره "مقاتلاً" لا يتراجع تحت الضغط، أم سياسي يستطيع الجمع بين الصلابة السياسية والقدرة على مواجهة ناخبيه والاستماع إليهم وتقديم إجابات مقنعة لهم.