بريطانيا تقترب من أوروبا بخطوات جديدة.. هل يكون الاندماج الاقتصادي مقابل دور أمني أكبر؟
وتكشف تقارير نشرتها صحيفتا "الغارديان" و"إندبندنت" عن اتساع نطاق النقاش داخل الأوساط السياسية البريطانية بشأن مستقبل العلاقة مع بروكسل، بدءاً من توسيع التعاون في قطاعات محددة، وصولاً إلى أفكار أكثر طموحاً تربط عودة بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة بتعزيز مساهمتها في أمن القارة ودفاعها.
تعاون أوسع مع بروكسل
وبحسب "الغارديان"، يسعى وزير العلاقات الأوروبية الجديد هاميش فالكونر إلى إعادة تنشيط المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن هناك مجالاً لبناء علاقة "أعمق وأكثر طموحاً" مع بروكسل، ضمن الحدود السياسية التي يضعها حزب العمال في الوقت الراهن.
وتتركز الأولويات البريطانية على ملفات اقتصادية وعملية، بينها توسيع التعاون في قطاع الخدمات، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، وتسهيل حركة البريطانيين العاملين في الدول الأوروبية، إلى جانب إبرام اتفاق خاص بتنقل الشباب بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك، يؤكد فالكونر أن حكومة بيرنهام لا تعتزم حالياً إعادة فتح ملفي السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، مشيراً في المقابل إلى أن التطورات الأمنية والاقتصادية تفرض تعزيز التعاون الأوروبي البريطاني في مجالات عدة، أبرزها الدفاع والأمن والتكنولوجيا والحرب في أوكرانيا والتغير المناخي.
وتسعى الحكومة الجديدة، وفق التقرير، إلى إعادة الزخم إلى الحوار مع بروكسل بعد فترة من الجمود شهدت نهاية عهد ستارمر، بما في ذلك تأجيل القمة الثانية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي وتعثر ملفات مثل اتفاق تنقل الشباب والمشاركة البريطانية في صندوق "سيف" الأوروبي للاستثمار الدفاعي.
مقترح أكثر جرأة
لكن "إندبندنت" سلطت الضوء على تصور يتجاوز بكثير حدود السياسة الحكومية المعلنة، قدمه النائب المحافظ السابق نيك بولز، ويقترح إعادة بريطانيا إلى السوق الأوروبية الموحدة مقابل قيامها بدور أكبر في منظومة الأمن والدفاع الأوروبية.
ويطرح بولز فكرة إقامة ما يسميه "كونفدرالية أوروبية"، تقوم على الجمع بين التكامل الاقتصادي والتعاون الدفاعي، ويمكن أن تضم إلى جانب المملكة المتحدة دولاً مثل أوكرانيا وسويسرا والنرويج ودول غرب البلقان.
وبموجب هذا التصور، ترفع بريطانيا إنفاقها الدفاعي إلى نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوسع نطاق مظلتها النووية لتشمل دولاً أوروبية أخرى، مقابل منحها حق الوصول إلى منطقة التجارة الحرة الأوروبية من دون إلزامها بحرية تنقل الأشخاص أو تبني العملة الأوروبية الموحدة.
ويقوم المقترح على صياغة علاقة جديدة مع القارة الأوروبية، بحيث تحصل بريطانيا على مزايا اقتصادية أوسع من السوق الأوروبية، بينما تقدم في المقابل مساهمة أكبر في حماية أوروبا وتعزيز قدراتها الدفاعية.
ويستند مؤيدو الفكرة إلى التحولات التي طرأت على البيئة الجيوسياسية منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى جانب المخاوف الأوروبية المتزايدة بشأن مستقبل الدور الأمريكي في حماية القارة.
الحكومة لا تتبنى المقترح
ورغم ذلك، لا توجد مؤشرات على أن حكومة بيرنهام تبنت رسمياً فكرة العودة إلى السوق الموحدة.
ونقلت "إندبندنت" عن مصدر حكومي أن مكتب مجلس الوزراء يتلقى باستمرار مقترحات وأفكاراً سياسية من هذا النوع، وأن مجرد مناقشتها أو استقبالها لا يعني اعتمادها ضمن السياسة الحكومية.
ولا تزال الحكومة، خلال الدورة البرلمانية الحالية، ملتزمة بالخطوط الحمراء التي أرساها حزب العمال في مرحلة ستارمر، والتي تستبعد في الوقت الراهن العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو إعادة حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي.
لكن تصريحات فالكونر فتحت الباب أمام تكهنات بشأن مستقبل موقف حزب العمال على المدى البعيد، بعدما رفض استبعاد إدراج خيارات جديدة بشأن العلاقة مع أوروبا في البرنامج الانتخابي المقبل للحزب.
وأكد الوزير أن الحكومة لا تبحث حالياً مسألة إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن مضمون البرنامج الانتخابي المقبل سيكون قراراً يخص حزب العمال نفسه.
بريطانيا بعد بريكست.. علاقة مختلفة
وتعكس هذه المواقف محاولة للموازنة بين حقيقتين: الأولى أن الحكومة لا تسعى حالياً إلى التراجع عن نتائج استفتاء بريكست، والثانية أن الظروف الأمنية والاقتصادية التي تحيط ببريطانيا وأوروبا تغيرت بصورة كبيرة منذ عام 2016.
ويرى مؤيدو التقارب أن التحولات الجيوسياسية، إلى جانب المصالح الاقتصادية البريطانية، تجعل من الصعب التعامل مع العلاقة مع أوروبا باعتبارها ملفاً تجارياً فقط، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والأمن.
في المقابل، يحذر سياسيون عماليون سابقون، من بينهم زعيم حزب العمال الأسبق نيل كينوك، من صعوبة تحقيق عودة بريطانية إلى السوق الموحدة، في ظل تمسك الاتحاد الأوروبي بمبدأ سلامة السوق الموحدة وغياب نموذج سهل لدولة من خارج المنطقة الاقتصادية الأوروبية للحصول على وضع مماثل.
كما أن تداعيات بريكست تركت قدراً من عدم الثقة بين لندن وبعض العواصم الأوروبية، ما قد يجعل أي اتفاق مستقبلي بحاجة إلى ضمانات سياسية طويلة الأجل.
ضغوط من الداخل البريطاني
وفي الداخل، تدفع أحزاب وقوى سياسية مؤيدة لأوروبا، بينها الديمقراطيون الليبراليون وجماعات تدعو إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد، باتجاه سياسة أكثر طموحاً تجاه بروكسل.
وترى هذه الأطراف أن المصالح الاقتصادية البريطانية، إلى جانب متطلبات الأمن الأوروبي، تستدعي تقليص تداعيات الانفصال عن الاتحاد وتعزيز الروابط التجارية والسياسية مع القارة.
وفي الوقت الراهن، لا توجد إشارة إلى قرار حكومي بإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة، لكن طبيعة النقاش السياسي بدأت تتغير بوضوح.
فبدلاً من أن ينحصر الجدل في سؤال العودة إلى الاتحاد من عدمها، بات النقاش يدور حول إمكانية بناء صيغة جديدة تسمح لبريطانيا باستعادة قدر أكبر من الاندماج الاقتصادي والسياسي والأمني مع أوروبا، من دون التخلي رسمياً عن وضعها كدولة خارج الاتحاد.
وقد يشكل هذا المسار، إذا تطور خلال السنوات المقبلة، أحد الملفات الرئيسية في صياغة مستقبل سياسة حزب العمال تجاه أوروبا، بحيث تنتقل العلاقة من مجرد "إعادة ضبط" محدودة إلى شراكة استراتيجية أوسع، تجمع بين التعاون التجاري والوصول إلى الأسواق الأوروبية والتنسيق الأمني والدفاعي، مع إبقاء مسألة العضوية الكاملة خارج جدول الأعمال في الوقت الراهن.



