الغارديان: الحرب ليست حتمية.. كاتب بريطاني: كيف يمكن تجنب مواجهة جديدة بين أمريكا وإيران؟
المؤشر 31-10-2026 تتزايد المخاوف من عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التوترات السياسية والحسابات الداخلية في واشنطن وتل أبيب، غير أن فرص الحل الدبلوماسي لا تزال قائمة، وقد تشكل التحركات الدولية والإقليمية فرصة لتجنب حرب جديدة ستكون تداعياتها واسعة على المنطقة والعالم.
وفي مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، يرى الكاتب سايمون تيسدال أن انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية قد يمنح الرئيس دونالد ترمب هامشاً أكبر لاتخاذ قرارات عسكرية تجاه إيران، بعيداً عن بعض الضغوط الانتخابية التي كانت تقيد تحركاته، وربما بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويحذر تيسدال من أن العودة إلى الخيار العسكري لن تضمن القضاء على البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام في طهران، بل قد تؤدي إلى خسائر بشرية واقتصادية إضافية، وتفتح الباب أمام اضطرابات أمنية وسياسية تتجاوز حدود المنطقة.
حسابات ترمب ونتنياهو تزيد مخاطر التصعيد
ويشير الكاتب إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه تحديات اقتصادية داخلية، في مقدمتها ارتفاع أسعار الوقود والسلع، وهي عوامل قد تؤثر في شعبية الجمهوريين ونتائجهم الانتخابية. وقد حاول ترمب التعامل مع هذه الضغوط من خلال تحميل الحرب الروسية الأوكرانية مسؤولية ارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب السعي للتوصل إلى تفاهمات مع موسكو بشأن إمدادات الديزل، لكن هذه التحركات لم تنجح في إنهاء المخاوف المتعلقة بالاقتصاد.
كما لم تلق دعوات الرئيس الأمريكي إلى زيادة الدعم الأوروبي للحرب استجابة واسعة، إذ تنظر عواصم أوروبية إلى المواجهة باعتبارها أزمة تحمل مخاطر كبيرة على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد الدولي.
لكن تيسدال يعتقد أن انتهاء الاستحقاق الانتخابي قد يغير حسابات ترمب، ويقلل من أهمية الضغوط السياسية الداخلية بالنسبة إليه، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات.
ويرى الكاتب أن دوافع الرئيس الأمريكي المحتملة قد لا تقتصر على الملف النووي الإيراني، وإنما قد تشمل أيضاً الرغبة في استعادة صورة الردع الأمريكي والانتقام من طهران، بعد أن أخفقت المواجهة السابقة في تحقيق نتائج حاسمة وسريعة.
أما نتنياهو، فيواجه بدوره ضغوطاً سياسية وقانونية وانتقادات دولية متزايدة بسبب الحرب في غزة ولبنان. ويشير المقال إلى أن تجدد الصراع مع إيران قد يخدم حساباته الداخلية، من خلال إعادة وضع القضايا الأمنية في صدارة النقاش العام، فضلاً عن تأثير ذلك في المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات.
تداعيات الحرب قد تمتد إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية
ولا تقتصر مخاطر استئناف العمليات العسكرية على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إذ يحذر المقال من انعكاسات محتملة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في حال تعرض طرق التجارة وإمدادات الطاقة لمزيد من الاضطرابات.
وقد يؤدي التصعيد إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط، وزيادة الضغوط على حركة التجارة البحرية، خاصة في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
كما يلفت تيسدال إلى احتمال اتساع رقعة المواجهات لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، من بينها اليمن والعراق ولبنان والسعودية، مع مخاطر تعرض القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة لهجمات إضافية.
ومن شأن هذا السيناريو أيضاً تعميق الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، خصوصاً إذا مضت الإدارة الأمريكية في خيار عسكري لا يحظى بتأييد دولي واسع.
ويشكك الكاتب في قدرة الضربات الجوية وحدها على تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية المعلنة، محذراً من أن المدنيين الإيرانيين سيكونون من أبرز المتضررين من أي جولة جديدة من القتال.
وفي هذا السياق، أشار إلى مقتل أكثر من مئة تلميذة في ضربة استهدفت مدرسة بمدينة ميناب في فبراير/شباط، معتبراً أن الواقعة تثير تساؤلات بشأن المسؤولية عن سقوط الضحايا المدنيين خلال العمليات العسكرية.
الوساطة الإقليمية تفتح نافذة أمام الحل السياسي
ورغم هذه المخاطر، يؤكد مقال «الغارديان» أن اندلاع حرب جديدة ليس أمراً حتمياً، وأن المسار الدبلوماسي لا يزال قادراً على توفير مخرج من الأزمة إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.
ويلفت الكاتب إلى أن جهود الوساطة القطرية لم تصل إلى طريق مسدود بشكل كامل، مستشهداً بتصريحات وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي للصحيفة، والتي أكد فيها أن المفاوضات يمكن أن تفضي إلى اتفاق مستدام إذا مُنحت الوقت والفرصة اللازمين.
وطرح البوسعيدي تصوراً لتسوية إقليمية طويلة الأمد، تقوم على إبرام اتفاق عدم اعتداء تشارك فيه دول مجلس التعاون الخليجي الست، إلى جانب إيران والعراق.
ويهدف المقترح، وفق التصور المطروح، إلى تعزيز مسؤولية دول المنطقة عن أمنها الجماعي، وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في إدارة التوازنات الأمنية والإقليمية.
وفي إطار المساعي الرامية إلى احتواء الأزمة، شهدت طهران تحركات دبلوماسية شملت زيارات لمسؤولين من السعودية وباكستان وتركيا، سعياً إلى منع عودة العمليات القتالية وإيجاد أرضية مشتركة لاستئناف الحوار.
لكن الكاتب يرى أن الوساطات الإقليمية، على أهميتها، تحتاج إلى دعم دولي أكثر وضوحاً وتأثيراً، مشيراً إلى مواقف عبّرت عنها بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية وحكومات أخرى خلال اجتماع عقد في إسطنبول، حيث شددت على ضرورة إعطاء الأولوية للحلول السياسية بدلاً من التصعيد العسكري.
موقف دولي موحد لمنع مواجهة جديدة
ويخلص تيسدال إلى أن احتواء التوتر يتطلب موقفاً دولياً منسقاً يوجه رسالة واضحة إلى واشنطن وتل أبيب بشأن العواقب المحتملة لأي هجوم جديد على إيران.
ويرى أن على الدول المعنية توضيح أن العودة إلى الحرب قد تترتب عليها تداعيات طويلة الأمد، تشمل العلاقات الدبلوماسية والتبادل التجاري والأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وبحسب رؤية الكاتب، فإن نجاح الجهود الرامية إلى منع المواجهة لن يتوقف على استمرار الوساطات وحدها، بل يتطلب إقناع الأطراف المتصارعة بأن فاتورة الحرب المحتملة ستكون أكبر من أي مكاسب سياسية أو عسكرية يمكن تحقيقها.
وبين ضغوط الحسابات الداخلية ومخاطر الانفجار الإقليمي، تبقى الدبلوماسية الخيار الأقل كلفة، لكنها تحتاج إلى تحرك سريع وجاد قبل أن تتحول التهديدات المتبادلة إلى مواجهة عسكرية جديدة يصعب احتواء نتائجها.


