تبون يجتمع بقيادات الجيش الجزائري بالزي المدني بعد قرار نشر قوات في النيجر
المؤشر 29-10-2026 عقد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اجتماعاً تنسيقياً مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، في خطوة لفتت الانتباه بسبب ظهور القادة العسكريين بملابس مدنية بدلاً من الزي الرسمي. وجاء اللقاء في أعقاب موافقة البرلمان الجزائري على إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، وسط تصاعد التوترات الأمنية في منطقة الساحل وتزايد المخاوف بشأن أمن الحدود والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وأثار توقيت الاجتماع وطبيعة الحضور تساؤلات بشأن دلالاته السياسية والأمنية، لا سيما في ظل الجدل المرتبط بنشر القوات الجزائرية خارج البلاد. وذهب بعض القراءات إلى اعتبار الظهور باللباس المدني إشارة إلى الطابع الأمني والتنسيقي للتحرك الجزائري، غير أن الرئاسة لم تصدر توضيحاً رسمياً يربط بين طريقة ظهور المسؤولين وطبيعة المهمة العسكرية في النيجر.
اجتماع رفيع المستوى دون تفاصيل عن جدول الأعمال
وأفادت الرئاسة الجزائرية بأن تبون، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، ترأس الاجتماع بحضور الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وأحمد عطاف، وزير الدولة للشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية.
وشارك في اللقاء أيضاً قائد القوات البرية الفريق مصطفى إسماعلي، وقائد القوات الجوية اللواء زوبير غويلة، ورئيس دائرة الاستعمال والتحضير بأركان الجيش الوطني الشعبي اللواء حميد فكان، إلى جانب عبد العزيز مجاهد، المدير العام للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة.
ولم يكشف البيان الرسمي عن الموضوعات التي ناقشها المجتمعون أو القرارات التي انتهوا إليها، ما أبقى طبيعة الاجتماع وأهدافه التفصيلية غير معلنة، رغم ارتباط توقيته بملف الانتشار العسكري الجزائري في النيجر.
حماية المنشآت النفطية ومشروع الغاز العابر للصحراء
وكانت الجزائر قد أقرت إرسال وحدات من جيشها إلى النيجر، بناءً على طلب من السلطات في نيامي، بهدف حماية المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة بين البلدين، وفق المعطيات المعلنة.
وجاءت الخطوة عقب موافقة غرفتي البرلمان الجزائري على الإخطار الرئاسي خلال جلستين عامتين مغلقتين عُقدتا في 25 أكتوبر/تشرين الأول، استناداً إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادتين 30 و91.
وتبرز المنشآت النفطية التي تعمل فيها شركة سوناطراك بمنطقة كفرا في النيجر، القريبة من الحدود الجزائرية، ضمن المصالح التي تحظى بأهمية في هذا الملف. كما يرتبط التعاون بين البلدين بمشروع أنبوب الغاز الذي ينطلق من نيجيريا، ويمر عبر النيجر وصولاً إلى الجزائر، بما يمنح الاستقرار الأمني في المنطقة أهمية إضافية بالنسبة إلى خطط الطاقة الإقليمية.
وتواجه منطقة الساحل تحديات أمنية متزايدة بفعل نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، الأمر الذي يضاعف أهمية تأمين المنشآت الحيوية والطرق الصحراوية العابرة للحدود.
تعاون عسكري متنامٍ بين الجزائر ونيامي
وسبق قرار إرسال القوات تعزيز الاتصالات الدفاعية بين البلدين. فقد استقبل تبون وزير الدولة ووزير الدفاع الوطني النيجري الفريق أول سليفو مودي، الذي أجرى مباحثات مع مسؤولين جزائريين بشأن التعاون الثنائي في المجالات الأمنية والعسكرية. كما عقد مودي لقاءات مع رئيس أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة.
وفي إطار هذا التعاون، قدمت الجزائر للجيش النيجري، مطلع أغسطس/آب الماضي، مساعدات عسكرية شملت أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار ومعدات للصيانة والدعم اللوجستي.
وفي 30 أغسطس/آب، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30»، برفقة طائرة للتزود بالوقود جواً، إلى العاصمة نيامي، في سياق محاولة الانقلاب التي شهدتها النيجر، وفق المعلومات الواردة في التقارير المتعلقة بالتعاون العسكري بين البلدين.
وعلى الصعيد الداخلي، لم يمر قرار إرسال القوات دون نقاش سياسي. فبينما وافق مجلس الأمة عليه بالإجماع، أقره المجلس الشعبي الوطني بأغلبية الحاضرين، مع امتناع نواب جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال عن التصويت، بحسب المواقف المعلنة لهذه الأحزاب.
أزمة النيجر وتشاد تزيد تعقيدات المشهد الإقليمي
ويتزامن التحرك الجزائري مع توتر متصاعد بين النيجر وتشاد، بعدما اتهمت السلطات في نيامي تشاد بالمسؤولية عن هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منطقة إيمي لولو عند ممر سلفادور، في وقت مبكر من صباح السبت.
وقالت السلطات النيجرية إن الهجوم أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة آخرين، فضلاً عن تضرر مركبات، واتهمت نيامي تشاد بإطلاق المسيّرة من أراضيها، كما وجهت اتهامات إلى فرنسا بتقديم الدعم للعملية.
ووصفت السلطات النيجرية الحادث بأنه اعتداء على سيادة البلاد، وأعلنت استدعاء السفير التشادي، مطالبة بوقف الأعمال العدائية وتعويض الأضرار. ولم ترد في المعطيات الواردة ما يكفي لتأكيد هذه الاتهامات بصورة مستقلة.
وتقع المنطقة المعنية في نطاق صحراوي قريب من الحدود الجزائرية والليبية، وتتميز بأهميتها بالنسبة إلى حركة العبور عبر الصحراء، في منطقة تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات تهريب. وكانت نيامي قد وجهت إلى تشاد اتهامات سابقة بمحاولة زعزعة استقرار السلطة العسكرية، في ظل تراجع علاقات النيجر مع فرنسا منذ وصول العسكريين إلى الحكم.
تنافس إقليمي ودولي على النفوذ في الساحل
وفي قراءة للمشهد، ربط الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني التوتر بين النيجر وتشاد بتداخل مصالح أطراف إقليمية ودولية، متحدثاً عن تنامي النفوذ الإماراتي في تشاد، ومحاولات إسرائيل توسيع تعاونها الأمني والاستخباراتي مع نجامينا، فضلاً عن التحركات العسكرية المرتبطة بقوات خليفة حفتر في جنوب غرب ليبيا.
كما أشار بلاني إلى مسارات إمداد تمر عبر الأراضي التشادية لدعم قوات الدعم السريع في السودان، مستنداً إلى ما قال إنها تحقيقات دولية، فضلاً عن مساعي فرنسا إلى الحفاظ على حضورها الأمني في منطقة الساحل، رغم انسحاب قواتها من تشاد في يناير/كانون الثاني 2025.
وتناول الدبلوماسي السابق أهمية المواقع العسكرية الواقعة في جنوب غرب ليبيا، ومن بينها معبر التوم الحدودي والمثلث الحدودي عند ممر سلفادور وقاعدة الوغ الجوية في إقليم فزان. واعتبر أن هذه المواقع تتيح مراقبة طرق العبور التي تربط ليبيا بكل من النيجر وتشاد.
وأشار كذلك إلى أن قاعدة الوغ تبعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم عن قاعدة ماداما العسكرية شمال النيجر، التي شكلت في وقت سابق نقطة ارتكاز للقوات الفرنسية ضمن عملية برخان لمكافحة الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
وكان بلاني قد سلط الضوء في تحليل سابق على الأهمية الاستراتيجية لقاعدة ماداما، بالنظر إلى موقعها القريب من الحدود الليبية وإشرافها على مسارات الحركة في المنطقة الصحراوية. ويرى أن تداخل المصالح الإقليمية والدولية والتحركات العسكرية عبر الحدود قد ينعكس على توازنات القوى في الساحل، وعلى المصالح الاقتصادية والطاقوية الجزائرية في النيجر.
ما حدود المهمة الجزائرية في النيجر؟
يضع هذا المشهد قرار إرسال القوات الجزائرية ضمن سياق أوسع من مجرد حماية المنشآت النفطية، إذ يتصل أيضاً بأمن الحدود والممرات الصحراوية وتعزيز التعاون مع نيامي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ومع ذلك، لا تزال التفاصيل المتعلقة بحجم الوحدات الجزائرية ومواقع انتشارها وطبيعة مهامها الميدانية غير واضحة في المعلومات الرسمية المتاحة. ولا توجد، استناداً إلى المعطيات المذكورة، أدلة كافية للجزم بأن القوات الجزائرية ستتمركز في قاعدة ماداما أو بأن مهمتها ستتجاوز الأهداف المعلنة لحماية المصالح المشتركة.
وبين الاعتبارات الاقتصادية والحسابات الأمنية والتنافس على النفوذ في منطقة الساحل، يبقى تطور الدور الجزائري مرتبطاً بما ستكشف عنه السلطات في الجزائر والنيجر من تفاصيل بشأن طبيعة الانتشار العسكري وحدوده وأهدافه العملية.


