القدس… حين يصبح البقاء مقاومة

القدس… حين يصبح البقاء مقاومة

المؤشر 31-10-2026

نائلة الوعري

لا يعيش الفلسطيني صراعاً نظرياً على الهوية، والوجود في أرضه

ولا يواجه إجراءات متفرقة يمكن فصل بعضها عن بعض. إنه يعيش مواجهة عنصرية يومية تطال بيته وأرضه وحركته وأسرته وتعليمه ومكان عبادته، وتمتد إلى شعوره بالتهديد وعدم الأمان وصورة سوداء تمنعه من التفكير في الغد.

ما تمارسه إسرائيل في القدس وفي الخليل ونابلس وقرى الضفة الغربية ليس مجرد حوادث او رد على هجوم مشروع على من يحتل البلاد ولا تضييق او مصادرة للبيوت كرد فعل، ولا مجموعة قرارات بلدية أو أمنية منفصلة. إنه مشروع سياسي استعماري إحلالي متكامل يستهدف تقليص الوجود الفلسطيني، ويسعى الى التهجير والطرد والاستيلاء على الأرض والعقارات، وإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين، وإعادة تشكيل القدس بما يخدم رواية الاحتلال ومشروعه.

وان كان التركيز الإن والصراع الأهم والأقوى هو هوية القدس وهذا ليس جديداً فجذوره تمتد إلى ما يقارب مئتي عام، وقد تناولتُ مراحله التاريخية في مؤلفات سابقة. لي، غير أن ما يعنينا اليوم هو صورته المعاصرة، وما تشهده المدينة من تسارع في سياسات الاقتلاع والتهويد، وما يتركه ذلك من آثار عميقة في حياة المقدسيين.

حين تستولي جماعات استيطانية على منزل فلسطيني، وتُخرج منه عائلة عاشت فيه جيلاً بعد جيل، لا تكون المسألة نزاعاً عقارياً كما يحاول الاحتلال تصويرها؛ إنها عملية اقتلاع واضحة، تنتزع الإنسان من بيته وحيّه وذاكرته، وتضع المستوطن مكانه. وحين يُهدم منزل بحجة عدم الترخيص، في وقت تجعل فيه سلطات الاحتلال الحصول على الترخيص بالغ الصعوبة، فإن المقدسي يجد نفسه أمام معادلة ظالمة: إما أن يعيش مكتظاً ومحروماً من حقه الطبيعي في البناء، وإما أن يبني ليؤوي أسرته ويبقى مهدداً بالهدم ودفع الغرامات وتكاليف إزالة منزله بيده.

ولا يتوقف الأمر عند البيت. فالمقدسي مهدد في حقه في الإقامة في مدينته، وفي جمع شمل أسرته، وفي الحفاظ على صلته بأبنائه وأقاربه. وقد يتحول إثبات أن القدس هي «مركز حياته» إلى عبء دائم، كأن ابن المدينة مطالب في كل وقت بأن يقدم الدليل على علاقته ببيته ومدينته، بينما يُمنح المستوطن القادم إليها الامتيازات والحماية والقدرة على الاستيلاء والتوسع.

أما التنقل، وهو أبسط حقوق الإنسان، فقد أصبح امتحاناً يومياً من القهر. فالانتقال بين القدس وضواحيها، أو بين الأحياء التي عزلها الجدار والحواجز، قد يستغرق وقتاً طويلاً ويتحول في لحظة إلى انتظار، وإهانة، ومنع، وتفتيش. يخرج المقدسي من بيته ولا يعرف أن كان سيصل إلى عمله أو جامعته أو مستشفاه في الوقت المناسب، ولا إن كان سيتمكن من العودة بالطريق نفسها. وحتى الأحياء التي ترتبط بالقدس إدارياً، مثل كفر عقب ومخيم شعفاط، عُزلت فعلياً خلف الجدار والحواجز، فأصبح سكانها يعيشون تناقضاً قاسياً: هم من أبناء القدس، لكن الوصول إلى قلب مدينتهم صار رحلة يومية شاقة.

وهنا لا بد من الحديث عن عدو آخر لا يظهر دائماً في الصور والتقارير: القهر والقلق والغد الغامض والانتظار اليومي لما قد تحمله ممارسات الاحتلال. انتظار قرار هدم، أو أمر إخلاء، أو اقتحام، أو إغلاق طريق، أو سحب إقامة، أو اعتقال ابن، أو منع الوصول إلى مكان العبادة. هذا الانتظار عدو شرس، لأن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على المكان، بل يسعى إلى استنزاف الإنسان نفسياً، وإشعاره بأن حياته كلها مؤقتة ومعلقة بقرار قد يصدر في أي لحظة.

إن الهوية المقدسية ليست بطاقةً أو شعاراً. إنها البيت والحي والمدرسة والسوق والمسجد والكنيسة والمقبرة، وهي الأسماء والحكايات والعلاقات العائلية والاجتماعية التي صنعت المدينة عبر أجيال متعاقبة. لذلك فإن استهداف التعليم والمناهج والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وتغيير أسماء الشوارع والمعالم، ومحاولة احتكار تاريخ المدينة، كلها أجزاء من المعركة نفسها؛ معركة السيطرة على الذاكرة والوعي بعد السيطرة على الأرض.

وفي قلب هذه المواجهة تقع المقدسات الإسلامية والمسيحية. فالاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى والتدخل في شؤونه والتضييق على وصول المصلين إليه، كما الاعتداءات على الكنائس ورجال الدين والممتلكات المسيحية، ليست حوادث دينية منفصلة. إنها اعتداء على هوية القدس العربية الإسلامية والمسيحية، وعلى صورتها التاريخية والحضارية، وعلى حق أهلها في ممارسة شعائرهم وحماية مقدساتهم.

ومع ذلك، لا يزال المقدسي متمسكاً بمدينته. يتمسك بهويته لا لأنه يعيش حياة هادئة، بل لأنه يواجه القهر والظلم والاقتلاع. صموده ليس عبارة تُقال من بعيد، وإنما ثمن يدفعه كل يوم: أن يبقى في بيته وهو مهدد، وأن يعيد بناء ما هُدم، وأن يفتح التاجر متجره، ويصل المعلم إلى مدرسته، ويحاول الطالب عبور الحاجز، وتحافظ الأسرة على وحدتها وذاكرتها، وتواصل المؤسسات عملها رغم الملاحقة والتضييق.

ولعل أخطر ما تواجهه القدس ليس أن يعتاد المقدسي الاحتلال؛ فهو يعرفه ويختبر قسوته في تفاصيل حياته. الخطر أن يعتاد العالم صور الهدم والإخلاء والاعتقال والاقتحام، وأن تتحول معاناة الناس إلى خبر متكرر أو رقم عابر، فلا يعود أحد يرى الإنسان الذي يقف خلفه.

ما يجري في القدس ليس صراعاً بين هويتين متكافئتين، ولا خلافاً على إدارة مدينة. هناك شعب صاحب أرض وحق وذاكرة، يواجه مشروعاً استعمارياً يسعى إلى اقتلاع وجوده وتهويد مدينته. ولهذا يصبح البقاء في القدس فعلاً من أفعال المقاومة، ويصبح التمسك بالبيت والحي والمدرسة والسوق والوقف والمقدسات دفاعاً عن الهوية وعن الحق في المدينة.

ورغم القهر والقلق والغد الغامض، تبقى القدس تعرف أهلها، ويبقى أهلها هم جذور وملح الأرض منذ آلاف السنين.