كيف نعالج تناقض التصريحات والتحليلات بين المسؤولين في الأزمات؟

كيف نعالج تناقض التصريحات والتحليلات بين المسؤولين في الأزمات؟

المؤشر 31-10-2026   

د. بسام روبين

لا يختلف إثنان على أن إدارة الأزمات في الدولة الحديثة لم تعد تقتصر على السيطرة الميدانية، أو تحريك القوات، أو تطويق الحوادث وإحتواء تداعياتها، بل أصبحت إدارة المعلومة وضبط الخطاب الإعلامي جزءا أصيلا من منظومة الأمن الوطني الشامل، وعنصرا مؤثرا في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وقدرتها على التعامل مع الأحداث الطارئة بحكمة وإقتدار .

وفي هذا السياق، فإن ما شهدناه ونشهده في محطات مفصلية، ومن بينها الأحداث التي شهدتها الكرك، يسلط الضوء على ثغرة تبدو ناعمة في ظاهرها، لكنها قد تكون بالغة الخطورة في نتائجها، وتتمثل في تضارب التصريحات وتباين الروايات والتحليلات الصادرة عن بعض المسؤولين والإعلاميين وشخصيات الدولة، ولا سيما في أوقات الحرج والشدة، حين يكون الرأي العام في أمس الحاجة إلى المعلومة الدقيقة، والرواية الواضحة، والخطاب المتماسك.

فعندما يتحدث وزير برواية معينة، ثم يخرج مسؤول آخر بتفاصيل تختلف عنها في بعض جوانبها، قبل أن يطل علينا مسؤول سابق بتحليل يذهب في إتجاه مغاير، فإننا لا نكون بالضرورة أمام تعدد محمود في وجهات النظر ، بل قد نكون أمام حالة من الإرباك الإعلامي تضعف وضوح الصورة لدى المواطنين ، وتهز الثقة بالرواية الرسمية، وتمنح الشائعات والتأويلات مساحة واسعة للإنتشار، فضلا عن إتاحة الفرصة لكل من يسعى إلى إستغلال الغموض وبث الشكوك في نفوس الناس.

وهنا يبرز السؤال الجوهري، إلى متى سنبقى ندار إعلاميا بردود الفعل بعد وقوع الأزمات، بدلا من أن نمتلك خطابا إستباقيا منظما يواكب الأحداث منذ لحظاتها الأولى؟ ولماذا يصر بعض المسؤولين على العزف المنفرد في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التناغم والتنسيق والإنضباط في إدارة رسالتها الإعلامية؟ وخطورة هذه الظاهرة لا تكمن في إختلاف العبارات أو تباين زوايا التفسير فحسب، بل في تداعياتها على ثقة المواطن، وقدرة المؤسسات على إيصال الحقائق، ومناعة المجتمع أمام حملات التضليل ، ففي أوقات الأزمات، لا يقاس نجاح الإتصال الحكومي بكثرة التصريحات أو سرعة ظهور المسؤولين على الشاشات، وإنما بمدى دقة المعلومات، وإتساق الرسائل، والقدرة على توضيح ما هو معلوم ، وما لا يزال قيد التحقق، وما ينبغي تأجيل الإعلان عنه حفاظا على سلامة الإجراءات وسير التحقيقات.

ومن هنا، فإن معالجة هذه المشكلة لا تحتاج إلى معجزات، بقدر ما تحتاج إلى إرادة مؤسسية واضحة، وخطة إتصال حكومي وأمني محكمة، تفعل قبل وقوع الأزمات ، لا بعد أن تتسع دائرة الجدل بشأنها.

وتبدأ المعالجة بتحديد ناطق رسمي أو جهة إتصال مركزية تتولى تنسيق المعلومات وإعلانها خلال الأزمات الكبرى، على أن يستند عملها إلى آلية واضحة لتبادل البيانات والتحقق منها بالتنسيق مع الجهات المختصة ، ولا يعني ذلك مصادرة حق المسؤولين في التوضيح أو إلغاء دور الخبراء في التحليل، بل يعني تنظيم الأدوار ومنع صدور معلومات غير مكتملة أو متعارضة عن جهات متعددة، بما يحفظ حق الجمهور في المعرفة ويصون مقتضيات الأمن والمصلحة العامة.

كما تبرز ضرورة وضع بروتوكول مؤسسي واضح للتصريحات في أثناء الأزمات، يحدد من يملك صلاحية الإعلان، والجهة التي تعتمد المعلومات، والتوقيت المناسب لنشرها، والحدود التي ينبغي عدم تجاوزها ، فليس من المقبول أن تتحول المعلومات الأولية، التي قد تكون عرضة للتعديل والتدقيق ، إلى حقائق نهائية تبنى عليها إستنتاجات واسعة قبل إكتمال التحقق منها.

ومن الضروري أيضا التمييز بين المسؤولية الميدانية والمسؤولية السياسية والإعلامية ، فالتفاصيل العملياتية التي تتعلق بتحركات القوات والإجراءات الأمنية ينبغي أن تصدر عن الجهات المختصة، وفي الحدود التي لا تضر بسير العمليات، بينما تتولى الجهات السياسية والحكومية شرح الأبعاد العامة للحدث ، وتوضيح القرارات المتخذة وتداعياتها ، أما المسؤولون السابقون والخبراء والإعلاميون ، فيبقى لهم حق التحليل وإبداء الرأي، شريطة التمييز بوضوح بين المعلومات المؤكدة والإجتهادات الشخصية، وعدم تقديم التوقعات على أنها حقائق ثابتة.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تبادر الجهات الرسمية إلى إصدار بيانات أولية موجزة فور توافر الحد الأدنى الموثوق من المعلومات، ثم تحديثها بصورة منتظمة كلما ظهرت معطيات جديدة. فالصمت الطويل يترك فراغا لا يبقى فارغا ، إذ سرعان ما تملؤه الشائعات والتكهنات والروايات غير الموثوقة، أما التواصل المنضبط، حتى عندما لا تكون جميع التفاصيل متاحة، فيمنح المواطنين تفسيرا واضحا لما يمكن تأكيده ، ويعزز الثقة بأن المؤسسات التي تتابع الحدث وتتعامل معه بمسؤولية.

وفي المقابل، لا بد من ترسيخ مبدأ المساءلة المهنية عن التصريحات غير الدقيقة أو المتسرعة التي تحدث إرباكا عاما، دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتقييد النقاش المشروع أو إقصاء الآراء المهنية المستقلة. فالإنضباط الإعلامي لا يعني توحيد العقول أو منع الإختلاف، وإنما يعني توحيد مرجعية المعلومات الرسمية، والفصل بين الحقيقة والتحليل، وبين ما تأكد وما لا يزال قيد البحث والتحقق .

 وإدارة الأزمات الناجحة لا تقوم على إخفاء الغموض حين يكون قائما، ولا على إدعاء إمتلاك جميع الإجابات منذ اللحظة الأولى، بل على الصراحة المنضبطة، والإعتراف بحدود المعلومات المتاحة، والإلتزام بتحديثها كلما إستجدت الحقائق. فالمصداقية لا تتحقق بمجرد إصدار رواية واحدة، وإنما بتقديم رواية دقيقة ومتماسكة، قابلة للتحديث وفقا للوقائع، وتستند إلى الشفافية والمسؤولية وإحترام عقول المواطنين.

وفي الأردن، يمتلك المواطن من الوعي والإنتماء والقدرة على التمييز ما يؤهله لأن يكون شريكا في حماية إستقرار وطنه، وداعما لمؤسساته وأجهزته الأمنية. غير أن هذا الوعي يستحق أن يقابل بخطاب رسمي يحترم عقل المواطن، ويقدم له المعلومة في وقتها، ويجنبه الوقوع في دوامة الروايات المتضاربة والتفسيرات المتسرعة.

وفي الختام ، ينبغي أن ندرك أن الأزمات لا تختبر قوة الدولة في الميدان وحده ، بل تختبر أيضا قدرتها على إدارة الحقيقة، وصيانة الثقة، وضبط الكلمة قبل أن تتحول إلى مصدر للقلق والارتباك ، فقد تنجح الأجهزة في إحتواء الحدث على الأرض، لكن تضارب التصريحات قد يفتح معركة أخرى في عقول الناس، ويمنح المشككين فرصة لم تكن لتتاح لهم لولا غياب التنسيق ووضوح الرسالة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمة ليس أن تتأخر الحقيقة قليلا ، بل أن تتعدد الحقائق في عيون الناس، فتضيع الحقيقة نفسها بين رواية وأخرى ، لذلك ، فإن توحيد الخطاب الرسمي ليس ترفا إعلاميا ولا إجراءا شكليا ، بل مسؤولية وطنية توازي في أهميتها حسن إدارة الميدان ، لأن الدولة القوية لا تكتفي بأن تفرض الأمن، بل تحسن أيضا تفسير ما يجري، وتملك الشجاعة لتقول ما تعرفه، والحكمة في ما تعلنه ، والمصداقية في ما تصححه.

فحين تكون الكلمة محسوبة، والمعلومة موثوقة، والرسالة متماسكة، يصبح الوعي الشعبي خط الدفاع الأول عن الوطن، وتتحول الثقة بين المواطن ومؤسساته إلى حصن يصعب إختراقه . أما حين تتنازع التصريحات وتتناقض الروايات، فإننا نمنح الآخرين ثغرة مجانية لا يجوز أن نتركها مفتوحة ، فهل آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمات بردود الفعل إلى إدارتها بمنظومة متكاملة تجعل الحقيقة واضحة، والثقة راسخة، والكلمة على قدر مسؤولية الوطن؟

حمى الله الأردن ، قيادة وشعبا، وحفظ قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والإستقرار.