انتفاضة الطلاب تهز الحكم في صربيا.. فوتشيتش يقر بخسارة الأغلبية بعد 12 عاماً في السلطة

انتفاضة الطلاب تهز الحكم في صربيا.. فوتشيتش يقر بخسارة الأغلبية بعد 12 عاماً في السلطة

المؤشر 26-10-2026   دخلت صربيا مرحلة سياسية جديدة بعد إعلان الرئيس ألكسندر فوتشيتش خسارة حزبه الأغلبية البرلمانية، في تطور يعكس حجم التحول الذي أحدثته الاحتجاجات الطلابية المناهضة للفساد، والتي تحولت خلال العامين الماضيين إلى حركة معارضة واسعة تتحدى نفوذ الحزب التقدمي الصربي الحاكم.

وجاء إقرار فوتشيتش بالهزيمة عقب انتخابات برلمانية شهدت منافسة قوية بين حزبه و«قائمة الطلاب»، وهي حركة سياسية تشكلت من رحم الاحتجاجات الشعبية، ورفعت مطالب تتعلق بمحاسبة المسؤولين عن الفساد، واستقلال المؤسسات، واستعادة الثقة في النظام الديمقراطي.

وبعد نحو ساعة ونصف من إغلاق مراكز الاقتراع، ظهر فوتشيتش أمام أنصاره، معلناً أن حزبه لم يعد يمتلك الأغلبية، وقدّر أن قائمة الطلاب قد تحصل على 135 مقعداً على الأقل في البرلمان المؤلف من 250 عضواً، متجاوزة بذلك عتبة الأغلبية البالغة 126 مقعداً.

ولم تكن هذه التقديرات، وقت إعلانها، نتائج رسمية نهائية، لكنها عكست حجم التحدي الذي واجهه الحزب الحاكم أمام موجة الغضب الشعبي المتصاعدة.

من الاحتجاجات إلى المنافسة على السلطة

تعود جذور التحول السياسي إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما أدى انهيار سقف خرساني في محطة قطارات بمدينة نوفي ساد شمالي البلاد إلى وفاة 16 شخصاً، في حادثة أثارت صدمة واسعة وفتحت الباب أمام احتجاجات امتدت إلى مختلف أنحاء صربيا.

وربط محتجون وناشطون بين الكارثة وما وصفوه بالفساد وسوء الرقابة في مشروعات البنية التحتية الحكومية، مطالبين بكشف المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، إلى جانب إصلاح مؤسسات الدولة.

ومع مرور الوقت، تجاوزت المطالب حدود التحقيق في الحادثة، لتشمل اتهامات للحكومة بتقييد الحريات، والتأثير في وسائل الإعلام، وإضعاف استقلال المؤسسات، وهي اتهامات ينفيها فوتشيتش وحزبه.

وسرعان ما تحولت الحركة الطلابية إلى قوة سياسية منظمة، مستفيدة من اتساع الاستياء الشعبي ومن قدرتها على حشد فئات مختلفة، بينها الأكاديميون والأطباء والفنانون والمزارعون.

«قائمة الطلاب».. مشروع سياسي خارج القوالب التقليدية

مثّل تأسيس «قائمة الطلاب» تحولاً لافتاً في المشهد المعارض الصربي، إذ اعتمدت الحركة على مرشحين اختارتهم مجالس طلابية، بدلاً من الاعتماد حصراً على الشخصيات الحزبية التقليدية.

وتضم القائمة شخصيات من خلفيات مهنية متنوعة، فيما يتولى طبيب القلب إيليا سردانوفيتش دوراً بارزاً فيها، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان سيقود الحكومة في حال تشكيلها.

وركزت الحركة حملتها على مكافحة الفساد، وتقليص النفوذ السياسي داخل المحاكم والمؤسسات الحكومية والإذاعة العامة، فضلاً عن المطالبة بإقالة مسؤولين تقول إنهم يتحملون مسؤولية التعامل العنيف مع الاحتجاجات.

ورفعت القائمة شعار «نحن نعرف كيف»، مقدمة نفسها باعتبارها بديلاً يعتمد على الكفاءات المهنية والخبرات العملية، لا على السياسيين وحدهم.

كما نظمت حملة ميدانية شملت مناطق بعيدة عن العاصمة، إذ تنقل ناشطوها سيراً على الأقدام وبالدراجات للوصول إلى الناخبين في المناطق التي لطالما شكلت قاعدة دعم تقليدية لفوتشيتش وحزبه.

تراجع نفوذ فوتشيتش بعد سنوات من الهيمنة

ظل ألكسندر فوتشيتش الشخصية الأكثر تأثيراً في السياسة الصربية منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2014، قبل انتخابه رئيساً للبلاد عام 2017.

وعلى الرغم من انتهاء ولايته الرئاسية الثانية واقتراب القيود الدستورية من منعه من الترشح لولاية ثالثة، استمر في لعب دور محوري في إدارة الشأن العام، وأعلن في وقت سابق استقالته من منصبه تمهيداً لخوض الانتخابات المبكرة سعياً إلى العودة لرئاسة الحكومة.

وخلال سنوات حكمه، اتهمه منتقدوه بتعزيز تركيز السلطة، والضغط على وسائل الإعلام والمعارضة، وعدم اتخاذ إجراءات كافية لمكافحة الفساد. في المقابل، نفى فوتشيتش هذه الاتهامات، واعتبر الاحتجاجات محاولة مدعومة من الخارج لزعزعة استقرار البلاد.

وفي التجمع الختامي لحملته الانتخابية، اتهم خصومه بالسعي إلى تدمير صربيا، كما شكك في دوافع بعض الجهات التي قال إنها تقدم الدعم للمتظاهرين.

ويعكس تراجع حزبه، وفق التقديرات الأولية التي أعلنها، تآكل قدرته على الاحتفاظ بالهيمنة السياسية التي استمرت لأكثر من عقد، في ظل صعود حركة معارضة نجحت في تحويل الغضب الشعبي إلى منافسة انتخابية مباشرة.

غضب شعبي ومطالب باستعادة الديمقراطية

لم تقتصر الحملة الطلابية على المطالب المؤسسية، بل حملت أيضاً رسائل تتعلق بالخوف والابتزاز والعدالة وحق المواطنين في المشاركة السياسية.

وقالت الممثلة الصربية يلينا ستوبليانين، خلال إدلائها بصوتها في بلغراد، إن اللحظة الانتخابية تمثل فرصة لاستعادة الأمل في العيش بحرية وفي ظل قواعد ديمقراطية.

وقبل الانتخابات بأيام، شهدت البلاد تجمعاً حاشداً شارك فيه مئات الآلاف، وفق الرواية الواردة في التقرير، للمطالبة بإنهاء الحملة الطلابية وممارسة الضغط على الحركة. وخلال التجمع، أكدت طالبة التمثيل ناتاليا ستيفانوفيتش أن الخوف والظلم لا يمكن أن يستمرا إلى الأبد، مشددة على أهمية التضامن الشعبي.

وأظهرت هذه التحركات أن الحركة الطلابية لم تعد مجرد احتجاج عابر، بل أصبحت منصة سياسية تستقطب قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً الناخبين الذين يطالبون بتغيير أسلوب إدارة الدولة وتعزيز المساءلة.

إسرائيل والسياسة الخارجية.. ملف لم تتضح ملامحه

إلى جانب القضايا الداخلية، يبرز ملف العلاقات مع إسرائيل بوصفه أحد جوانب الاختلاف المحتملة بين القيادة الحالية والمعارضة الجديدة.

ويُعد فوتشيتش من أبرز القادة الأوروبيين الداعمين لإسرائيل، وقد أعلن في أبريل/نيسان عن مشروع مشترك لإنتاج طائرات عسكرية من دون طيار، وفقاً لما أورده التقرير.

في المقابل، لم تقدم «قائمة الطلاب» حتى الآن تصوراً واضحاً ومتكاملاً بشأن سياستها الخارجية، كما لم يتحدد موقفها من إسرائيل، بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت».

ولذلك، فإن التغيير السياسي المحتمل في صربيا لا يعني بالضرورة حدوث تحول فوري في علاقاتها الخارجية، إذ ستعتمد اتجاهات السياسة المقبلة على برنامج القيادة الجديدة والتحالفات التي ستتشكل داخل البرلمان.

مخاوف من أزمة سياسية بعد الانتخابات

جرت الانتخابات وسط أجواء متوترة، مع تحذيرات من أن تقارب النتائج أو الطعن فيها قد يطيل أمد الخلاف السياسي ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية.

وكان فوتشيتش قد تعهد، قبل إعلان تقديراته للنتائج، باحترام إرادة الناخبين حتى في حال خسارة حزبه، لكنه حذر في الوقت نفسه من احتمال اندلاع الفوضى، متوعداً بالتعامل بحزم مع أي أعمال شغب مرتبطة باتهامات التزوير.

وتضع هذه التطورات صربيا أمام اختبار يتجاوز نتائج صناديق الاقتراع، ليشمل مدى قدرة الأطراف السياسية على احترام الإجراءات الانتخابية وتجنب التصعيد، فضلاً عن إمكانية ترجمة مطالب المحتجين إلى إصلاحات ملموسة.

وفي حال تأكدت النتائج التي أشار إليها فوتشيتش، فإن البلاد ستكون أمام تحول كبير في موازين القوى، مع صعود حركة سياسية نشأت من الاحتجاجات الطلابية وأصبحت منافساً مباشراً للحزب الذي هيمن على الحكم لسنوات.

لكن التحدي الأكبر أمام «قائمة الطلاب» سيبدأ بعد الانتخابات، إذ إن تحويل الوعود بمكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات إلى سياسات قابلة للتنفيذ يتطلب بناء توافقات برلمانية، وتحديد قيادة واضحة، وتقديم برنامج متكامل لإدارة الاقتصاد والعلاقات الخارجية.

وبذلك، تكشف الانتخابات عن حجم التغيير الذي أحدثته الحركة الاحتجاجية في المجتمع الصربي، لكنها تترك مستقبل المرحلة المقبلة مرتبطاً بالنتائج الرسمية النهائية، وقدرة القوى السياسية على إدارة انتقال السلطة دون الدخول في أزمة جديدة.