استثمارات الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار.. هل تحقق مراكز البيانات عوائد توازي تكلفتها؟
المؤشر 26-10-2026 تتزايد التساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للطفرة الاستثمارية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع ضخ شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في إنشاء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسيع قدرات الحوسبة، وسط تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التمويل ونقص إمدادات الكهرباء وتأخر تنفيذ بعض المشروعات.
وبينما تراهن الشركات على استمرار نمو الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، بدأ المستثمرون يركزون بصورة أكبر على العوائد المالية المتوقعة من هذه الاستثمارات، ومدى قدرة الإيرادات المستقبلية على تغطية نفقات الإنشاء والتشغيل، خصوصاً إذا لم تتحقق خطط التوسع بالحجم والسرعة المتوقعين.
وبحسب تحليل نشرته وكالة رويترز، فإن المخاطر لا تقتصر على احتمال تأجيل بعض المشروعات، بل تشمل أيضاً التداعيات التي قد تطال شركات التكنولوجيا ومصنعي الرقائق وممولي البنية التحتية في حال تباطؤ وتيرة الاستثمار.
أكثر من 10 تريليونات دولار لتوسيع البنية التحتية
تسلط تقديرات ستاين فان نيوبورغ، الأستاذ في كلية كولومبيا للأعمال، الضوء على الحجم المحتمل لطفرة مراكز البيانات في الولايات المتحدة، إذ يُتوقع أن تصل قدرتها إلى 183 غيغاواط بحلول عام 2032، أي ما يقارب خمسة أضعاف المستوى المسجل قبل عام 2025.
وتتجاوز التكلفة المقدرة لهذه الاستثمارات 10 تريليونات دولار، وهو حجم يعادل أكثر من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال الفترة المشار إليها، ما يعكس الضخامة الاستثنائية للموارد المالية المطلوبة لتلبية احتياجات القطاع.
ويأتي هذا التوسع في ظل تزايد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، التي تتطلب بنية تحتية متقدمة تشمل الخوادم ومعالجات البيانات وشبكات الاتصال ومصادر الطاقة.
لكن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة. فنجاح هذه المشروعات يرتبط بقدرة الشركات على استغلال الطاقة الحاسوبية المتاحة، وتأمين عقود مربحة، وتوليد تدفقات نقدية تكفي لتغطية التكاليف الرأسمالية والتشغيلية.
كما تثير الاستثمارات الضخمة تساؤلات حول مصادر التمويل اللازمة، وتوافر الكهرباء والمياه المستخدمة في تبريد المعدات، فضلاً عن احتمال أن تتجاوز الطاقة الاستيعابية التي يجري بناؤها حجم الطلب الفعلي في بعض الأسواق.
ارتفاع تكلفة الاقتراض يضغط على شركات الحوسبة
تبدو تحديات التمويل أكثر وضوحاً لدى الشركات المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة، المعروفة باسم «نيوكلاود» (Neocloud)، والتي تستثمر في مراكز البيانات ومعدات المعالجة لتأجيرها لشركات التكنولوجيا والمؤسسات الأخرى.
وتواجه هذه الشركات ضغوطاً متزايدة عندما ترتفع تكلفة الاقتراض أو تتأخر الإيرادات المتوقعة، نظراً إلى اعتماد نماذج أعمالها على استثمارات رأسمالية كبيرة تتطلب وقتاً لاستردادها.
وتعد شركة «كور ويف» (CoreWeave) من الأمثلة على هذا النموذج، إذ تعتمد على شراء رقائق «إنفيديا» وتوفير قدرات الحوسبة المرتبطة بها للعملاء. ويجعل هذا النشاط الشركة عرضة لتأثير تكاليف التمويل والتشغيل، إلى جانب المخاطر المرتبطة بسرعة تطور التقنيات وتغير الطلب.
وفي المقابل، يستفيد موردو الرقائق من التوسع في بناء مراكز البيانات. فقد حققت «إنفيديا»، إحدى أبرز الشركات العاملة في مجال معالجات الذكاء الاصطناعي، نمواً كبيراً في إيرادات أنشطة مراكز البيانات خلال السنوات المالية الأخيرة.
ومع ذلك، فإن المكاسب التي يحققها مصنعو الرقائق لا تنتقل بالضرورة إلى جميع الشركات العاملة في سلسلة القيمة. فالشركات التي تشتري المعدات وتمول إنشاء المراكز تتحمل أعباء إضافية، تشمل تكاليف الطاقة والصيانة والتمويل، ما يجعل ربحيتها مرتبطة بشروط العقود والأسعار التي تحصل عليها من العملاء.
وفي إشارة إلى الضغوط التي تواجه بعض الشركات، ألغت «فيرمس تكنولوجيز» (Firmus Technologies) خطط طرح أسهمها للاكتتاب العام، بينما أثارت التحديات المحيطة بالسوق شكوكاً بشأن خطط أخرى لبيع الأسهم.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة انحسار الطلب على الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف عن فجوة محتملة بين نمو الحاجة إلى الحوسبة وبين القدرة على توفيرها بصورة مربحة.
الكهرباء والتصاريح تعرقل خطط التوسع
إلى جانب الضغوط المالية، تواجه مشروعات مراكز البيانات عقبات عملية قد تؤخر دخولها الخدمة، أبرزها صعوبة الحصول على إمدادات الكهرباء اللازمة، وطول إجراءات التصاريح، والاعتراضات المحلية على إقامة منشآت جديدة.
وتستهلك مراكز البيانات كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد، ما يجعل الوصول إلى شبكات الكهرباء عاملاً حاسماً في تحديد الجدول الزمني للمشروعات وتكلفتها النهائية.
وتشير تقديرات وردت في بيانات «ستاتيستا» إلى تنامي الطلب على الكهرباء عبر فئات مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، في تطور يزيد أهمية التخطيط للطاقة عند تقييم الجدوى الاقتصادية للاستثمارات الجديدة.
وفي هذا السياق، أشار تحليل رويترز إلى انسحاب «مايكروسوفت» من عقد إيجار في المملكة المتحدة مع شركة «إن سكيل» (Nscale)، بعد تأخر توفير الاتصال بشبكة الكهرباء.
كما تراجعت أسهم شركة «نكست دي سي» الأسترالية (NextDC) عقب تعليق مشروع في ملبورن بسبب معارضة محلية، فيما سبق أن تحدثت «أوراكل» عن مشكلات مماثلة مرتبطة بمشروعاتها في ولاية نيو مكسيكو الأميركية.
وامتدت المخاوف إلى المستوى التنظيمي، مع فرض قيود مؤقتة على إنشاء مراكز بيانات جديدة في عدد من الولايات الأميركية.
ورغم ذلك، فإن حجم بعض المشروعات المتعثرة يظل محدوداً مقارنة بخطط التوسع الكبرى. فقد بلغت السعة المخططة لمشروع «إن سكيل» الملغى في لندن 50 ميغاواط، في حين توقع إيلون ماسك وصول قدرة الحوسبة لدى «سبيس إكس» إلى 13 غيغاواط على الأقل بنهاية عام 2027، مقارنة بنحو 1.7 غيغاواط في نهاية سبتمبر.
وتوضح هذه التطورات أن تحديات الطاقة والتراخيص قد تؤثر في توقيت تنفيذ المشروعات وتكلفتها، حتى عندما يكون الطلب على خدمات الحوسبة مرتفعاً.
هل يتحول الطلب المتزايد إلى أرباح فعلية؟
على الرغم من المخاطر، لا تزال بعض الشركات والمستثمرين ترى فرصاً واعدة في قطاع مراكز البيانات، لا سيما في المشروعات التي تُبنى استناداً إلى احتياجات عملاء محددين، بما يقلل احتمالات إنشاء قدرات لا تجد طلباً كافياً.
ونقل تحليل رويترز عن المدير المالي لشركة «سبيس إكس» قوله إن قوة الطلب على الحوسبة تتيح للشركة استرداد تكاليف استثماراتها في مراكز البيانات خلال أقل من عام.
من جانبه، يرى جون غراي، رئيس «بلاكستون» (Blackstone)، أن القيود المفروضة على إنشاء مراكز بيانات جديدة قد تعزز قيمة المنشآت القائمة، نتيجة صعوبة توفير بدائل جديدة بالسرعة المطلوبة.
لكن تقييم هذه التوقعات يتطلب التمييز بين الطلب المعلن والإيرادات المحققة فعلياً. فالعائد النهائي يعتمد على أسعار خدمات الحوسبة، ونسب تشغيل المراكز، وتكلفة التمويل والطاقة، فضلاً عن العمر الاقتصادي للرقائق والمعدات في ظل التطور السريع للتكنولوجيا.
ويضيف انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي عاملاً جديداً إلى معادلة الطلب، إذ يمكن لهذه الأنظمة تنفيذ مهام متعددة بصورة متتابعة، بما يرفع استهلاك الموارد الحاسوبية مقارنة بالتفاعلات التقليدية التي تبدأ بطلب مباشر من المستخدم.
ووفقاً للتحليل، تجاوز عدد تنزيلات مساعد «ميوز» التابع لشركة «ميتا» 10 ملايين عملية، بينما تستهلك وكلاء الذكاء الاصطناعي نحو سبعة أضعاف الرموز الحاسوبية التي تستهلكها المطالبات المباشرة التي يقودها المستخدمون.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الاستخدام لا يضمن وحده تحقيق عوائد مالية كافية. فقد لا تغطي الرسوم المفروضة على المعاملات والإيرادات الإعلانية تكاليف تشغيل بعض الخدمات، بحسب تقدير للكاتبة كارين كوك في تحليل منفصل نشرته «بريكينغ فيوز».
وبذلك، تظل قدرة الشركات على تحويل الاستخدام المتزايد إلى إيرادات مستدامة أحد أهم العوامل المحددة لنجاح الاستثمارات الجديدة.
تداعيات محتملة على قطاع التكنولوجيا والأسواق المالية
قد يؤدي تباطؤ الاستثمار في مراكز البيانات أو ارتفاع تكلفة تنفيذ المشروعات إلى انتقال الضغوط إلى قطاعات متعددة، بدءاً من شركات تصنيع الرقائق وموردي المعدات، وصولاً إلى المؤسسات المالية التي تمول التوسع والمستثمرين الذين يراهنون على نمو القطاع.
فإذا خفضت الشركات خططها لشراء الخوادم والمعالجات، فقد تتراجع الطلبات المتوقعة لدى الموردين. كما أن ارتفاع تكاليف تشغيل البنية التحتية قد يدفع الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي إلى إعادة تقييم إنفاقها، أو تأجيل بعض التطبيقات التي لا تحقق عائداً واضحاً.
وفي المقابل، قد تستفيد الشركات التي تمتلك مراكز بيانات جاهزة ومتصلة بشبكات الكهرباء من محدودية المعروض الجديد، خصوصاً إذا استمر الطلب على قدرات الحوسبة في الارتفاع.
ولا يشير ذلك إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي تتجه بالضرورة نحو الانكماش، بل إلى احتمال دخولها مرحلة أكثر انتقائية، يصبح فيها التركيز على كفاءة الإنفاق والربحية أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن مشروعات ضخمة.
في المحصلة، يتمثل التحدي الأساسي أمام قطاع مراكز البيانات في إثبات أن النمو المتسارع في الطلب قادر على توليد عوائد تتناسب مع حجم الاستثمارات والمخاطر. وبينما قد يستمر التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن نجاح الشركات لن يتحدد بحجم الأموال التي تنفقها فحسب، بل بقدرتها على استردادها وتحقيق أرباح مستدامة.


