الذكاء الاصطناعي يسرّع اكتشاف الثغرات الأمنية.. هل تواجه الشركات موجة جديدة من الهجمات السيبرانية؟
المؤشر 25-10-2026 تتزايد المخاوف بشأن تداعيات التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني، مع ظهور مؤشرات على قدرة النماذج المتقدمة على اكتشاف الثغرات البرمجية بوتيرة أسرع من السابق، ما يضع المؤسسات أمام تحديات متنامية تتعلق بحماية أنظمتها والاستجابة للتهديدات الرقمية.
وتجددت هذه المخاوف الأسبوع الماضي، بعدما سارعت شركات وجهات حكومية إلى معالجة ثغرتين أمنيتين خطيرتين في لغة البرمجة «PHP»، المستخدمة في تشغيل عدد كبير من مواقع الإنترنت. وجاء اكتشاف إحدى الثغرات بمساعدة نموذج متقدم من شركة «أوبن إيه آي»، في تجربة سلطت الضوء على الإمكانات المتنامية للذكاء الاصطناعي في تحليل البرمجيات ورصد نقاط الضعف الأمنية.
وحذر مايكل دانيال، رئيس تحالف التهديدات السيبرانية والمسؤول السابق عن تنسيق الأمن السيبراني في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، من أن هذه القدرات قد تمهد لمرحلة أكثر اضطراباً في عالم الأمن الرقمي، مع إمكانية اكتشاف أعداد كبيرة من الثغرات خلال فترات زمنية قصيرة.
اكتشاف الثغرات يتحول إلى سباق مع الزمن
يرى دانيال أن قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على فحص البرمجيات على نطاق واسع ستؤدي إلى زيادة حجم الثغرات المكتشفة، وهو ما يفرض على المؤسسات إعادة النظر في أساليب إدارة المخاطر الأمنية، خصوصاً فيما يتعلق بالأنظمة القديمة.
وأوضح أن العديد من الشركات اعتادت الاستمرار في استخدام البرمجيات القديمة لأطول فترة ممكنة، بهدف تقليل تكاليف التحديث والاستبدال، من دون احتساب المخاطر السيبرانية المحتملة ضمن التكلفة الحقيقية لهذه الأنظمة.
وتكمن المشكلة في أن هذه المخاطر لا تظهر بالضرورة في الميزانيات المالية بصورة مباشرة، لكنها قد تتحول إلى خسائر كبيرة عند استغلال إحدى الثغرات لتنفيذ هجوم إلكتروني أو تعطيل الخدمات.
وبحسب دانيال، فإن تسارع قدرات الكشف عن الثغرات يجعل استمرار الاعتماد على البرمجيات القديمة أكثر خطورة، الأمر الذي قد يدفع المؤسسات إلى تغيير سياساتها المتعلقة بالصيانة والتحديث، وإعطاء الأولوية للحماية الأمنية بدلاً من تأجيل التكاليف.
من أشهر إلى ساعات.. تقلص المهلة المتاحة للدفاع
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الثغرات، بل يمتد إلى تقليص الفترة الفاصلة بين الكشف عن نقطة ضعف برمجية وبدء استغلالها من جانب المهاجمين.
وأشار دانيال إلى أن إعداد نموذج أولي يثبت إمكانية استغلال الثغرة كان يستغرق في السابق شهراً أو شهرين في كثير من الحالات، ثم قد يحتاج المهاجمون إلى فترة إضافية مماثلة حتى تصبح أدوات الاستغلال متاحة على نطاق أوسع.
أما حالياً، فقد تتقلص هذه المراحل إلى ساعات أو أيام، ما يقلل الوقت المتاح أمام فرق الأمن السيبراني لتقييم التهديدات وتطبيق المعالجات المناسبة.
ورغم ذلك، لا تشير البيانات التاريخية التي استشهد بها دانيال إلى ارتفاع واضح في نسبة الثغرات التي يجري استغلالها فعلياً، إذ ظلت هذه النسبة في حدود 5% إلى 6%. لكن التغير الأهم يتمثل في سرعة الانتقال من اكتشاف الثغرة إلى استغلالها، وهو ما قد يزيد الضغط على المؤسسات حتى إذا لم ترتفع نسبة الاستغلال الإجمالية.
التحديثات الأمنية بين ضرورة الحماية ومخاطر التعطل
يفرض تسارع التهديدات معادلة صعبة على الشركات، تتمثل في ضرورة تطبيق التصحيحات الأمنية بسرعة، مقابل الحاجة إلى اختبارها لتجنب تعطل الأنظمة أو التأثير في الخدمات الأساسية.
فالمؤسسات الكبرى غالباً ما تعتمد إجراءات اختبار دقيقة قبل إدخال أي تحديث إلى بيئات التشغيل الفعلية، خصوصاً عندما ترتبط أنظمتها بعمليات حساسة أو خدمات لا تحتمل التوقف.
لكن إطالة فترة الاختبار قد تمنح المهاجمين فرصة لاستغلال الثغرات المكتشفة قبل إغلاقها، ما يجعل قرارات التحديث أكثر تعقيداً من السابق.
وضرب دانيال مثالاً على ذلك بالموازنة بين احتمال حدوث خلل نتيجة تطبيق تصحيح أمني، واحتمال التعرض لهجوم قد تصل خسائره إلى عشرات الملايين من الدولارات. وتعكس هذه المقارنة حجم المخاطر التي يتعين على مسؤولي التقنية التعامل معها عند تحديد توقيت التحديثات.
وتبدو الشركات الصغيرة أكثر عرضة لهذه الضغوط، بسبب محدودية فرقها التقنية ومواردها المالية. لذلك، شدد دانيال على أهمية تجهيز أنظمتها لاستقبال تحديثات الشركات المطورة وتثبيتها بسرعة، بدلاً من الاعتماد على إجراءات يدوية قد تؤخر الاستجابة.
الذكاء الاصطناعي يكتشف ثغرات حقيقية وأخرى غير دقيقة
على الرغم من الإمكانات المتقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، فإن نتائج الفحص لا تكون دقيقة دائماً، إذ قد تصنف بعض الأدوات مشكلات برمجية على أنها ثغرات أمنية رغم عدم وجود خطر فعلي، أو تكتشف نقاط ضعف في برامج غير متصلة بالإنترنت.
ويجعل ذلك عمليات التحقق والتصنيف عنصراً أساسياً في منظومة الدفاع الرقمي، إذ لا يكفي اكتشاف عدد كبير من المشكلات، بل يجب تحديد الثغرات الحقيقية ومدى خطورتها وإمكانية استغلالها.
وأوضح دانيال أن المؤسسات بحاجة إلى تطوير آليات الفرز والتقييم، بما يساعد فرق الأمن على توجيه مواردها إلى التهديدات الأكثر إلحاحاً، بدلاً من استنزاف الوقت والجهد في التعامل مع نتائج غير دقيقة أو منخفضة الخطورة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة مع احتمال ارتفاع حجم التنبيهات والتقارير الأمنية الناتجة عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يخلق عبئاً إضافياً على فرق الحماية إذا لم تتوافر أنظمة فعالة لترتيب الأولويات.
هل يجعل الذكاء الاصطناعي البرمجيات أكثر أماناً مستقبلاً؟
رغم التحذيرات من تسارع اكتشاف الثغرات واستغلالها، يرى دانيال أن التكنولوجيا نفسها قد توفر فرصاً لتحسين الأمن السيبراني على المدى الطويل.
ومن المتوقع أن يتوسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في فحص البرمجيات خلال مراحل التطوير، وقبل إطلاقها للاستخدام، بما يساعد على اكتشاف نقاط الضعف مبكراً وتقليل احتمالات انتقالها إلى المنتجات النهائية.
كما قد يشجع ارتفاع المخاطر المرتبطة بالأنظمة القديمة المؤسسات على استبدالها تدريجياً ببرمجيات حديثة تُبنى وفق معايير أمنية أكثر صرامة منذ مرحلة التصميم.
ويعني هذا التوجه أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي دوراً مزدوجاً؛ فمن ناحية، يمكن أن يمنح المهاجمين أدوات أكثر كفاءة لتحديد نقاط الضعف، ومن ناحية أخرى، يتيح للمدافعين تطوير وسائل أفضل لاكتشاف الأخطاء ومعالجتها قبل استغلالها.
لكن هذه التطورات لا تعني اختفاء التهديدات الإلكترونية، بل يرجح أن تعيد تشكيل طبيعتها، مع انتقال جزء أكبر من المواجهة إلى سرعة التحليل والاستجابة، وجودة أدوات التقييم، وقدرة المؤسسات على تحديث أنظمتها بصورة مستمرة.
مرحلة جديدة تتطلب استعداداً مختلفاً
تشير التطورات الأخيرة إلى أن التحدي الأساسي أمام المؤسسات لم يعد مقتصراً على اكتشاف الثغرات، بل أصبح مرتبطاً بقدرتها على التعامل معها خلال وقت أقصر، وسط تزايد حجم المعلومات الأمنية وتفاوت دقتها.
وفي ظل هذه المعادلة، ستحتاج الشركات إلى الجمع بين التحديث المستمر، والتحقق من نتائج أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحديد أولويات المخاطر، والاستثمار في تطوير برمجيات أكثر أماناً.
وبينما قد تفرض هذه المرحلة تكاليف إضافية على المؤسسات في الأجل القريب، فإن تحسين أساليب الحماية وتقليل الاعتماد على الأنظمة القديمة قد يحدان من الخسائر المستقبلية. أما الرهان الأكبر، فسيكون على قدرة المؤسسات على مواكبة سرعة تطور التهديدات، قبل أن تتحول الثغرات المكتشفة إلى هجمات يصعب احتواؤها.


