عصر السلاح الذكي.. صناعة الدفاع في قبضة الخوارزميات.. من يملك مفاتيح التفوق العسكري؟
المؤشر 20-10-2026 تتجاوز المنافسة في صناعة الدفاع مجرد السباق حول امتلاك الأسلحة الأكثر تطوراً أو زيادة أعدادها، لتمتد إلى القدرة على تطوير الخوارزميات ومعالجة البيانات وتسريع القرارات العسكرية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة التسليح والقيادة والسيطرة والاستخبارات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في صناعة الدفاع، يُفتح فيها المجال أمام لاعبين جدد للمنافسة على سوق ظلت لعقود تحت هيمنة شركات دفاع كبرى.
لا يقتصر هذا التحول على الجوانب العسكرية والتكنولوجية، إذ يحمل تداعيات اقتصادية واستثمارية تمتد إلى نمو سوق الذكاء الاصطناعي العسكري، وتنافس الشركات على العقود الدفاعية، وتوقعات الإيرادات والأرباح، وتقييمات الأسهم في أسواق المال. وفي ظل تزايد الإنفاق العسكري عالمياً، تتسع الرهانات على التقنيات الجديدة، لكن فرص النمو تقابلها تساؤلات بشأن تكاليف التطوير، والقدرة على تحويل الابتكارات إلى عوائد مستدامة، ومخاطر المبالغة في تقدير المكاسب المستقبلية.
وبين وعود تعزيز القدرات العسكرية ومخاوف تصاعد سباق التسلح، يطرح توظيف الذكاء الاصطناعي أسئلة تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى مستقبل الردع الاستراتيجي، والتوازن بين القوى الكبرى، والضوابط القانونية والأخلاقية لاستخدام الأنظمة ذاتية التشغيل. فإلى أي مدى سيعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة صناعة السلاح؟ ومن هم أبرز الرابحين من هذا التحول، وما المخاطر التي قد ترافقه على المستويات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية؟
حجم السوق
وتتجه سوق الذكاء الاصطناعي في القطاع العسكري نحو مرحلة جديدة من النمو، فبحسب بيانات شركة Global Market Insights المتخصصة في أبحاث السوق والاستشارات، بلغت قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العسكري نحو 14 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 16.52 مليار دولار في عام 2026، قبل أن تصل إلى 48.41 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 13.2% خلال الفترة من 2025 إلى 2035.
تشمل هذه السوق تطوير ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية والدفاعية، بما في ذلك الأنظمة ذاتية التشغيل، والصيانة التنبؤية، ومنصات دعم القرار، والأمن السيبراني، وتحليل المعلومات الاستخباراتية. ويجمع هذا السوق بين شركات المقاولات الدفاعية، وشركات التكنولوجيا، والوكالات الحكومية العاملة على تعزيز الوعي الظرفي، والكفاءة التشغيلية، وجاهزية المهام.
وتغطي تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنظمة القيادة والسيطرة، والمنصات غير المأهولة، وتحسين الخدمات اللوجستية، واكتشاف التهديدات، ودمج البيانات عبر عمليات متعددة المجالات. ومع ازدياد اعتماد الحروب الحديثة على معالجة البيانات في الوقت الفعلي واتخاذ القرارات السريعة، أصبح الذكاء الاصطناعي قدرة أساسية مدمجة في أنظمة الأسلحة، وشبكات المراقبة، وأدوات إدارة ساحة المعركة، مما يُعيد تشكيل كيفية تخطيط المؤسسات الدفاعية لمهامها وتدريبها وتنفيذها
تعكس التوقعات بشأن حجم السوق تنامي الاهتمام بتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير القدرات العسكرية، مع تزايد الطلب على حلول قادرة على العمل وفق متطلبات الأمن وحماية البيانات والتحقق من موثوقية الأنظمة في البيئات الدفاعية.
أبرز الشركات
على صعيد المنافسة، تتصدر شركة لوكهيد مارتن سوق الذكاء الاصطناعي العسكري، بحصة سوقية تجاوزت 9.6% في عام 2025، وفقاً لبيانات Global Market Insights.
وتضم قائمة أكبر خمس شركات في السوق كلاً من لوكهيد مارتن، ونورثروب غرومان، وبي إيه إي سيستمز، وليدوس، وأندوريل، التي استحوذت مجتمعةً على حصة سوقية بلغت 26.9% خلال العام نفسه.
وتشير هذه الحصص إلى وجود مجموعة من الشركات الكبرى التي تتمتع بمواقع تنافسية في السوق، إلى جانب استمرار المجال أمام شركات أخرى للاستفادة من الطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الدفاعي.
ومع توسع استخدام هذه التقنيات، تبرز أهمية قدرة الشركات على دمج حلول الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية القائمة، مع الالتزام بمتطلبات الأمن والموثوقية، وتوفير الدعم والتحديثات اللازمة، وهي عوامل مرشحة للاضطلاع بدور رئيسي في تحديد اتجاهات المنافسة خلال السنوات المقبلة.
ومع ذلك، تظل تقديرات حجم السوق المستقبلية توقعات بحثية قابلة للتغير وفقاً لمسار الإنفاق الدفاعي، وسرعة تبني التقنيات الجديدة، والتطورات التنظيمية والتكنولوجية.
في هذا الملف، تتناول عربية أبعاد استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الدفاع، بدءاً من التحولات التي تطرأ على هيكل الصناعة وموازين المنافسة بين الشركات والدول، مروراً بتأثير هذه التكنولوجيا في طبيعة الحروب الحديثة، ودورها في تطوير الأنظمة ذاتية التشغيل وتحليل البيانات الاستخباراتية وتسريع اتخاذ القرار العسكري.
ويرصد الملف التحولات في خريطة صناعة السلاح، مع التركيز على العلاقة بين التفوق العسكري وامتلاك التقنيات المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والبيانات والبنية التحتية الحاسوبية، وانعكاسات ذلك على المنافسة بين شركات الدفاع التقليدية والشركات التكنولوجية الناشئة، وعلى موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثماري، يناقش الملف انعكاس توظيف الذكاء الاصطناعي على تكاليف تطوير وإنتاج الأسلحة، وفرص نمو الإيرادات والأرباح لدى شركات الدفاع، وتقييماتها في أسواق المال، ومدى قدرة تحركات الأسهم على عكس فرص النمو الفعلية، في ظل توقعات المستثمرين والمضاربات والتداول الخوارزمي، إلى جانب المخاطر التي قد تحد من العوائد المنتظرة.
كما يتناول الملف التحديات الاستراتيجية والقانونية والأخلاقية المرتبطة بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، من حدود الاستقلالية في اتخاذ القرارات القتالية والمسؤولية عن الأخطاء، إلى تأثير هذه التكنولوجيا في الردع الاستراتيجي والنووي والتوازن العسكري بين القوى الكبرى، وما تطرحه من تساؤلات بشأن الاستقرار الدولي ومخاطر التصعيد غير المقصود.
معادلة السلاح الجديدة.. من امتلاك العتاد إلى السيطرة على الخوارزميات
في مشاركته بالملف، يجيب استاذ الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعة San Jose الحكومية في كاليفورنيا، أحمد بانافع، عن سؤال: "هل نحن أمام مرحلة جديدة من تطوير الأسلحة التقليدية، أم أمام تحول صناعي قد يعيد توزيع النفوذ بين شركات الدفاع الكبرى، ويفتح الباب أمام شركات تكنولوجية لم تكن قبل سنوات لاعباً رئيسياً في سوق الصناعات العسكرية؟"، متحدثاً عن ما وصفه بـ "التحول الأعمق" الذي يجري داخل صناعة الدفاع، والذي من شأنه تغيير موازين القوى بين الشركات والدول خلال السنوات المقبلة، إذ يدخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب الأنظمة العسكرية، ليس فقط
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد الحرب الحديثة؟
كما تناول أستاذ علم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في السيليكون فالي كاليفورنيا، حسين العمري، لدى مشاركته في ملف عربية، أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في الصناعة، بما في ذلك تقليص الزمن بين اكتشاف التهديد والاستجابة له. ويرتبط ذلك بدورة القرار (OODA Loop)، التي تتكون من أربع مراحل: المراقبة، والتوجيه، واتخاذ القرار، والتنفيذ. وكلما أكمل أحد الطرفين هذه الدورة أسرع من خصمه، ازدادت قدرته على المبادرة وفرض إيقاع المعركة.
هل يصنع الذكاء الاصطناعي طفرة في أسهم شركات الدفاع؟
ويلفت إلى أن متوسط أداء أسهم شركات دفاع كبرى، تشمل Lockheed Martin وNorthrop Grumman وRTX وBAE Systems، بلغ نحو 28% خلال عام 2025، مقابل 12% لمؤشر S&P 500، وخلال النصف الأول من عام 2026، ارتفع متوسط أسهم هذه الشركات بنحو 19%، مقارنة بزيادة تقارب 6% للمؤشر الأميركي العام.
من الذرة إلى الخوارزمية.. تأملات في الاعتبارات الأخلاقية العالمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية
ويأخذ استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في G&K، عاصم جلال، الحديث إلى منحى آخر ذا صلة، مرتبط بأخلاقيات استخدام الـ AI في صناعة الدفاع.
يدعو جلال إلى "ذكاء اصطناعي يعمل داخل خطوط حمراء واضحة، بل وأبعد من ذلك: أن تُوظَّف دقته لحماية المدنيين، بمن فيهم مدنيو الخصم".
حجم الإنفاق العسكري
يأتي ذلك في وقت أصبحت فيه وتيرة سباق التسلّح العالمي في ظل الحروب والصراعات الجيوسياسية أسرع؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة للمنافسة العسكرية، تدفع الحكومات إلى توجيه استثمارات متزايدة نحو الطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية التشغيل والدفاع السيبراني، بالتوازي مع الإنفاق التقليدي على الجيوش والمعدات والأسلحة.
وكشفت أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الصادرة في أبريل/ نيسان 2026، أن الإنفاق العسكري العالمي ارتفع بنسبة 41% بالقيمة الحقيقية خلال العقد الممتد من 2016 إلى 2025، ليبلغ مستوى قياسياً عند 2.887 تريليون دولار، مسجلاً 11 عاماً متتالياً من الارتفاع. وزاد الإنفاق بنسبة 2.9% خلال 2025، بعدما قفز بنحو 9.7% في 2024، فيما بلغت حصته من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 2.5%، وهو أعلى مستوى منذ 2009، بحسب المعهد.


