فائض النفط الثقيل في الأميركتين يضغط على الأسواق العالمية وسط قفزة تكاليف الشحن
المؤشر 13-10-2026 تواجه أسواق النفط العالمية مفارقة لافتة، مع تزايد مخزونات الخام الثقيل في أميركا الشمالية والجنوبية، في وقت تعاني فيه الأسواق الآسيوية والأوروبية صعوبات في الحصول على الإمدادات. ويأتي ذلك في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن البحري، بالتزامن مع تشغيل مصافي التكرير الأميركية بمعدلات تقترب من مستوياتها القصوى.
ورغم تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، فإن وفرة المعروض من الخامات الثقيلة في الأميركتين لم تنعكس في صورة تدفقات تجارية أكبر، إذ أصبحت تكاليف نقل النفط عاملاً رئيسياً يحد من وصوله إلى الأسواق المستوردة، ويضغط على أسعار بعض الخامات المنتجة في المنطقة.
ويكتسب النفط الثقيل أهمية خاصة لدى عدد من المصافي في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا، نظراً إلى ملاءمته لإنتاج مشتقات نفطية متعددة، من بينها الديزل. وعادة ما يُتداول هذا النوع من الخام بأسعار أقل من النفط الخفيف، ما يجعله خياراً اقتصادياً للمصافي، خصوصاً عندما تكون تكاليف النقل محدودة.
وقال سكوت شيلتون، المتخصص في أسواق الطاقة لدى «تي بي آي كاب»، إن ارتفاع أجور الشحن يمثل السبب الرئيسي وراء تراكم الإمدادات، موضحاً أن إنتاج فنزويلا والولايات المتحدة وكندا يتجاوز احتياجاتها المحلية، الأمر الذي يجعل التصدير إلى الأسواق الآسيوية عنصراً مهماً لتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
تكاليف النقل تقلص فرص تصدير الخام
شهدت صادرات النفط الفنزويلية زيادة منذ اعتقال الولايات المتحدة الرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير، بالتزامن مع تحركات لإعادة تنشيط قطاع الطاقة في البلاد. وفي الوقت نفسه، سجل إنتاج كندا مستويات قياسية، بينما أتاحت واشنطن أكثر من 130 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الطارئة
لكن زيادة المعروض تزامنت مع ارتفاع كبير في تكاليف النقل البحري. فقد تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة عملاقة لنقل النفط من ساحل الخليج الأميركي إلى آسيا خمسة أمثال مستواها المسجل في فبراير، في ظل تراجع توافر السفن نتيجة انشغال بعضها بعمليات نقل النفط بين الناقلات في خليج عُمان.
وأشار شيلتون إلى أن سوق الشحن تواجه ضغوطاً مزدوجة، تتمثل في ارتفاع أسعار استئجار الناقلات وتراجع عدد السفن المتاحة لنقل الشحنات.
وانعكست هذه التطورات على أسعار عدد من الخامات الثقيلة في الأميركتين، إذ تراجعت أسعار النفط الكندي والكولومبي والإكوادوري بأكثر من 10 دولارات للبرميل خلال ستة أسابيع، لتصل إلى أدنى مستوياتها في تلك الفترة، وفق بيانات «أرغوس ميديا» المتخصصة في معلومات وأسعار الطاقة
وسجل خام «ويسترن كندا سيلكت» نحو 74 دولاراً للبرميل يوم الخميس، بينما بلغ سعر الخام الكولومبي «فاسكونيا» قرابة 84 دولاراً، ووصل خام «أورينتي» الإكوادوري إلى نحو 76 دولاراً، من دون احتساب تكاليف الشحن والتأمين. أما الخام الفنزويلي، فجرى تداوله عند نحو 74.50 دولار للبرميل قبل إضافة نفقات النقل.
وتبرز الزيادة في تكاليف الشحن بصورة أوضح عند مقارنة أسعار النقل الحالية بالمستويات السابقة. ووفقاً لجورجيوس ساكيلاريو، المحلل لدى «سيغنال ماريتايم»، وصلت تكلفة نقل النفط من ساحل الخليج الأميركي إلى أوروبا على متن ناقلة عملاقة إلى نحو 46 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بما يعادل 24.50 دولار للبرميل، شاملة عمليات النقل بين السفن والنفقات الأخرى.
وكانت التكلفة ذاتها تبلغ نحو 6.5 مليون دولار، أو ما يقارب 4 دولارات للبرميل، قبل اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير.
أما الشحنات المتجهة من الأميركتين إلى آسيا، فقد تجاوزت تكلفة نقلها 80 مليون دولار للناقلة الواحدة خلال الأسبوع الماضي، بما يعادل نحو 40 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 10 إلى 15 مليون دولار في بداية العام.
محدودية قدرات المصافي الأميركية تزيد تراكم المخزونات
لا تقتصر أسباب تراكم النفط الثقيل على ارتفاع تكاليف النقل، بل ترتبط أيضاً بالقدرة الاستيعابية لمصافي التكرير الأميركية. فقد بلغ متوسط معدل تشغيل المصافي في الولايات المتحدة نحو 93.5% من طاقتها خلال الأسابيع الماضية من العام، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وهو أعلى مستوى خلال 28 عاماً بحسب البيانات الواردة.
وتسعى المصافي إلى زيادة إنتاج الوقود للاستفادة من الارتفاع الكبير في أسعار الديزل، إلا أن قدرتها على استيعاب المزيد من الخام الثقيل تظل محدودة، حتى مع امتلاكها وحدات متطورة لمعالجة هذا النوع من النفط.
وأوضح ريتشارد إروين، محلل النفط لدى «إنرجي أسبكتس»، أن الإمدادات الفنزويلية والكميات المسحوبة من الاحتياطيات الأميركية أسهمت خلال الأشهر الماضية في رفع معدلات تشغيل وحدات التفحيم داخل المصافي إلى مستويات مرتفعة للغاية. ومع ارتفاع تكاليف الشحن، تراجعت فرص توجيه الكميات الإضافية إلى الأسواق الآسيوية، ما أدى إلى زيادة مخزونات الخام الثقيل مرتفع الكبريت في الأميركتين.
وتؤدي وحدات التفحيم دوراً مهماً في تحويل المخلفات الثقيلة الناتجة عن تكرير النفط إلى منتجات ومواد أولية تدخل في صناعة الوقود، بما في ذلك الديزل والبنزين. وتتطلب معالجة الخامات الأثقل استخدام هذه الوحدات بكثافة أكبر، ما يفرض قيوداً إضافية على المصافي التي تعمل بالفعل بمعدلات تشغيل مرتفعة.
كما تواجه المصافي الأميركية تحديات مرتبطة بتصميم منشآتها، إذ جرى تجهيز عدد منها لمعالجة خامات بحرية من خليج المكسيك، مثل خام «مارس سور». وفي المقابل، قد يتطلب التعامل مع النفط الكندي أو الفنزويلي خلطه بخامات أخف لتحسين خصائصه وتسهيل عمليات المعالجة.
اختلال في توزيع الإمدادات بين المناطق
تكشف هذه التطورات عن تباين متزايد بين توافر النفط الخام في مناطق الإنتاج وقدرة الأسواق الأخرى على الحصول عليه. فبينما تتراكم الخامات الثقيلة في الأميركتين، تواجه الأسواق الآسيوية والأوروبية تكاليف نقل مرتفعة تحد من قدرتها على الاستفادة من هذه الإمدادات، حتى عندما تكون أسعار الخام الأساسية أقل من بدائل أخرى.
وفي ظل استمرار الضغوط على سوق الناقلات واقتراب المصافي الأميركية من حدود طاقتها التشغيلية، قد يبقى فائض النفط الثقيل قائماً ما دامت تكاليف الشحن مرتفعة والقدرة على استيعاب كميات إضافية محدودة.
وتوضح هذه الحالة أن ارتفاع أسعار النفط العالمية لا يعني بالضرورة استفادة جميع المنتجين أو سهولة انتقال الخام بين الأسواق؛ إذ أصبحت تكاليف النقل، إلى جانب القيود الفنية والتشغيلية للمصافي، عوامل حاسمة في تحديد وجهة الإمدادات والأسعار الفعلية التي تحصل عليها الأسواق المختلفة.


