سباق الذكاء الاصطناعي يرفع أرباح شركات الرقائق ويهدد بزيادة أسعار الهواتف والحواسيب
المؤشر 12-10-2026 تتسع تداعيات الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي لتشمل مختلف حلقات صناعة التكنولوجيا، فبينما تحقق شركات إنتاج رقائق الذاكرة مكاسب ضخمة بفضل الطلب المتزايد من مراكز البيانات، تواجه شركات تصنيع الهواتف الذكية والحواسيب ضغوطًا متنامية نتيجة ارتفاع تكاليف المكونات وتراجع مرونة الإمدادات، ما يفتح الباب أمام زيادات محتملة في أسعار الأجهزة الإلكترونية.
ولم يعد التوسع في الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تطوير النماذج المتقدمة وزيادة الاستثمارات في مراكز البيانات، بل بات يؤثر في توزيع الأرباح داخل القطاع، مع استفادة الشركات المتخصصة في أشباه الموصلات من الطلب المتنامي، مقابل تحديات تواجه الشركات التي تعتمد على هذه المكونات في تصنيع منتجاتها الاستهلاكية.
وتبرز شركة سامسونغ إلكترونيكس بوصفها أحد أبرز الأمثلة على هذا التباين؛ إذ توقعت تحقيق أرباح تشغيلية بقيمة 107.4 تريليون وون، تعادل نحو 80.17 مليار دولار، خلال الربع الثالث من عام 2026، بزيادة تقارب تسعة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن الأداء القوي في قطاع أشباه الموصلات لا يعني بالضرورة تحسن نتائج جميع أنشطة الشركة، إذ تتعرض أعمال الهواتف الذكية والإلكترونيات الاستهلاكية لضغوط ناجمة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج. ووفق تقرير لوكالة رويترز نُشر في 7 أكتوبر/تشرين الأول، تجاوزت خسائر قطاع الهواتف في سامسونغ مليار دولار وسط هذه التحديات.
وتكشف هذه المفارقة عن تحول مهم في الصناعة، يتمثل في استفادة بعض قطاعات الشركة من ارتفاع أسعار المكونات، بينما تتحمل قطاعات أخرى جزءًا من التكلفة الإضافية نفسها.
كيف ينتقل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى أسعار الأجهزة؟
يرتبط جانب أساسي من هذه التطورات بالارتفاع الكبير في الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي (HBM)، التي تُستخدم في معالجات وأنظمة الحوسبة المتقدمة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.
ومع تسارع استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى في مراكز البيانات، أصبحت هذه الذاكرة من المكونات الاستراتيجية في صناعة أشباه الموصلات، ما دفع الشركات المصنعة إلى توجيه استثمارات وقدرات إنتاجية أكبر نحو تلبية احتياجات هذا السوق.
وفي المقابل، تتعرض إمدادات أنواع أخرى من الذاكرة، المستخدمة في الهواتف والحواسيب الشخصية، لضغوط مرتبطة بأولويات الإنتاج وتخصيص الموارد داخل القطاع.
وتشير تقديرات مؤسسة البيانات الدولية (IDC) إلى أن التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يساهم في زيادة الضغوط على سوق الذاكرة، مع انعكاسات تمتد إلى أسعار المكونات التقليدية.
ولا يعني ذلك أن رقائق الذكاء الاصطناعي تحل مباشرة محل الرقائق المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية، إذ تختلف هذه المكونات من حيث التصميم والوظيفة والمواصفات. لكن تركيز الاستثمارات والموارد التصنيعية على المنتجات الأعلى طلبًا وربحية قد يحد من مرونة الإمدادات المتاحة لبقية الأسواق.
ومع ارتفاع تكاليف الذاكرة والتخزين، تجد الشركات المصنعة للأجهزة نفسها أمام معادلة صعبة، تتمثل في محاولة الحفاظ على الأسعار التنافسية وهوامش الربح في آن واحد.
الحواسيب الشخصية أمام موجة جديدة من ارتفاع التكاليف
يعد سوق الحواسيب الشخصية من أكثر القطاعات عرضة لتداعيات نقص المكونات، في ظل توقعات بتراجع الشحنات العالمية خلال عام 2026 وارتفاع متوسط أسعار الأجهزة.
وبحسب تقديرات نشرتها مؤسسة IDC في يونيو/حزيران، يُتوقع انخفاض شحنات الحواسيب الشخصية عالميًا بنسبة 11.3% خلال العام، مع احتمال تسجيل تراجع سنوي يصل إلى 20% في الربع الأخير. كما توقعت المؤسسة ارتفاع متوسط أسعار بيع الحواسيب بنحو 18.3% خلال الفترة نفسها، نتيجة نقص الذاكرة وزيادة تكاليف المكونات.
وتضع هذه التوقعات الشركات أمام عدة خيارات، أبرزها رفع الأسعار لتعويض الزيادة في تكاليف الإنتاج، أو قبول هوامش ربح أقل، أو تعديل مواصفات بعض الطرازات، أو إعادة ترتيب خطط طرح المنتجات الجديدة.
غير أن نقل التكلفة إلى المستهلكين قد يحمل مخاطر إضافية، إذ يمكن أن تدفع الأسعار المرتفعة المشترين إلى تأجيل استبدال أجهزتهم أو الاتجاه نحو الفئات الاقتصادية الأقل تكلفة.
وفي هذه الحالة، قد تتمكن الشركات من تحقيق إيرادات أعلى لكل جهاز، لكنها قد تواجه في المقابل انخفاضًا في عدد الأجهزة المباعة، ما يجعل أثر ارتفاع الأسعار على الأرباح النهائية متفاوتًا بين الشركات.
شركات الرقائق تستفيد.. لكن المكاسب ليست مضمونة
في المقابل، تتمتع الشركات المتخصصة في إنتاج رقائق الذاكرة بفرص قوية للاستفادة من زيادة الطلب وارتفاع الأسعار، خصوصًا مع استمرار الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن استمرار هذه المكاسب على المدى الطويل ليس أمرًا محسومًا. فصناعة أشباه الموصلات تتسم بالدورات المتعاقبة بين نقص المعروض وارتفاع الأسعار من جهة، والتوسع في الإنتاج واشتداد المنافسة من جهة أخرى.
وقد تدفع الأرباح المرتفعة الشركات إلى زيادة استثماراتها في الطاقة الإنتاجية، لكن دخول قدرات جديدة إلى السوق قد يؤدي لاحقًا إلى تخفيف النقص والضغط على الأسعار.
كما أن إنشاء مصانع الرقائق المتقدمة وتطوير تقنياتها يتطلبان استثمارات رأسمالية كبيرة وفترات زمنية طويلة، ما يصعّب على الشركات تعديل الإنتاج بسرعة استجابة للتغيرات في الطلب.
وإذا تباطأت وتيرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي أو جاءت العوائد التجارية دون التوقعات، فقد تواجه الشركات المنتجة وفرة في الطاقة الإنتاجية وتراجعًا في الأسعار، بعد فترة من الأرباح الاستثنائية.
أما بالنسبة إلى سامسونغ، فيتمثل التحدي في الاستفادة من النمو القوي في أعمال الذاكرة، مع الحد من تأثير ارتفاع تكاليف المكونات على قطاعات الهواتف والأجهزة الإلكترونية. ولذلك، فإن تقييم أداء المجموعة يتطلب النظر إلى نتائج أنشطتها المختلفة، وليس الاكتفاء بمؤشرات الأرباح الإجمالية.
هل يدفع المستهلك ثمن طفرة الذكاء الاصطناعي؟
لا تعني الضغوط الحالية بالضرورة ارتفاع أسعار جميع الهواتف والحواسيب بصورة فورية أو متساوية، إذ تختلف قدرة الشركات على التعامل مع زيادة التكاليف بحسب حجم أعمالها، وشروط التوريد، ومواصفات أجهزتها، ومدى قدرتها على تمرير الزيادات إلى المشترين.
فبعض الشركات قد تتحمل جزءًا من التكاليف الإضافية لفترة محدودة بهدف الحفاظ على حصتها السوقية، بينما قد تلجأ شركات أخرى إلى رفع أسعار طرازات محددة، أو تقليص الخصومات، أو تأجيل إطلاق أجهزة ذات مواصفات متقدمة.
ويتوقف حجم التأثير كذلك على استعداد المستهلكين لدفع مبالغ أكبر مقابل أجهزتهم، خصوصًا في الأسواق التي تشكل فيها الأسعار العامل الأساسي عند اتخاذ قرار الشراء.
وقد تواجه الشركات التي تعتمد على الهواتف والحواسيب منخفضة التكلفة تحديات أكبر، لأن هامش المناورة لديها يكون محدودًا عندما ترتفع تكاليف المكونات بصورة متواصلة.
وفي المحصلة، تعيد طفرة الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصاد صناعة التكنولوجيا، من خلال زيادة الطلب على الرقائق المتقدمة وتعزيز أرباح بعض الموردين، في الوقت الذي تفرض فيه تكاليف إضافية على قطاعات أخرى.
وبينما تواصل شركات التكنولوجيا الاستثمار في قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، يبقى التحدي الأبرز هو مدى قدرة سلاسل الإمداد على مواكبة هذا التوسع دون نقل جزء كبير من تكلفته إلى الشركات المصنعة للأجهزة والمستهلكين النهائيين.


