10 أيام هزّت سباق الذكاء الاصطناعي.. من وعود المستقبل إلى مخاوف فقدان السيطرة
المؤشر 20-09-2026 خلال عشرة أيام فقط، انتقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي من الاحتفاء بقدرته على تغيير الاقتصاد والصناعة وحل مشكلات معقدة، إلى تحذيرات متصاعدة من أن تسارع تطويره قد يخلق مخاطر تتجاوز قدرة البشر على السيطرة عليها.
وجاء هذا التحول في وقت تتسابق فيه كبرى شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر قوة، وسط اعترافات من باحثين داخل القطاع بأن فهم قدرات هذه الأنظمة ومراقبتها يصبح أكثر صعوبة كلما ارتفع مستوى تطورها.
وخلال الفترة الأخيرة، استقال باحثون من شركات رائدة، محذرين من مخاطر وجودية محتملة، بينما ظهرت تقارير عن استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي في عمليات اختراق وتحايل على أنظمة الحماية. وفي المقابل، بدأ عدد من قادة القطاع أنفسهم بالدعوة إلى إبطاء وتيرة التطوير وإخضاع النماذج لاختبارات سلامة أكثر صرامة.
من حلم الذكاء الاصطناعي العام إلى هاجس الخطر
لطالما ارتبط السباق التكنولوجي في وادي السيليكون بفكرة تسريع الابتكار وتجاوز القيود التقليدية، إلا أن النقاش تغير مع اقتراب الشركات من تطوير ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعي العام»، وهو مفهوم يشير إلى أنظمة تتمتع بقدرات واسعة قريبة من القدرات البشرية أو تتجاوزها في مجالات متعددة.
ويعتقد بعض الباحثين أن الوصول إلى هذه المرحلة قد يكون أقرب مما كان متوقعاً، فيما حذر آخرون من أن الأنظمة المتقدمة يمكن أن تصبح قادرة على تطوير قدراتها بدرجة تقلل من قدرة البشر على الإشراف عليها.
وفي هذا السياق، قال جو بنتون، الباحث السابق في «أنثروبيك»، إن حجم الأنظمة التي يجري تدريبها يجعل مراقبتها بالكامل أمراً بالغ الصعوبة. وحذر من أن استمرار تسارع التطوير قد يؤدي إلى ظهور مشكلات بوتيرة تفوق قدرة الشركات والباحثين على اكتشافها ومعالجتها.
وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، قد شبّه في ديسمبر/كانون الأول 2025، بصورة غير مباشرة، المسؤولية الملقاة على عاتق قادة الذكاء الاصطناعي بتلك التي واجهها الفيزيائي جيه روبرت أوبنهايمر خلال تطوير القنبلة الذرية، مشيراً إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى مسار التاريخ البشري لفترة طويلة.
إطلاق «أسترا» يفتح باباً جديداً للقلق
بلغ الجدل مرحلة جديدة في 3 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع فعالية لـ«أوبن إيه آي» كشفت خلالها الشركة عن نموذجها الأحدث «أسترا».
وخلال تقديم النموذج، وصف غريغ بروكمان، رئيس الشركة، المرحلة الجديدة بأنها دخول إلى «عصر الذكاء الاصطناعي العام». لكن الإعلان تزامن مع تحذيرات داخلية من صعوبة التنبؤ بما يمكن للنماذج الأكثر تقدماً فعله.
وقال كبير العلماء في «أوبن إيه آي»، جاكوب باتشوكي، إن ارتفاع قدرات النماذج يجعل تحديد نطاق إمكاناتها بدقة أكثر صعوبة.
ورغم هذه المخاوف، مضت الشركة في إطلاق النموذج، لتتزامن الخطوة مع سلسلة من التقارير التي أثارت تساؤلات حول قدرة المختبرات على التحكم في أنظمتها المتطورة.
كما قال الباحث في «أنثروبيك» إيفان هوبينغر إن الشركة ترى احتمالاً حقيقياً في أن يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً بالغاً على البشرية.
استقالة باحث تشعل النقاش
في 8 سبتمبر/أيلول، أعلن الباحث جاكوب كوكسون مغادرته «أنثروبيك»، ونشر سلسلة من المواقف حذر فيها من أن مختبرات الذكاء الاصطناعي تخاطر بحياة البشر من خلال تسريع تطوير أنظمة يصعب التحكم فيها.
وكان كوكسون، البالغ من العمر 27 عاماً، قد عمل في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أن تصريحاته انتشرت على نطاق واسع وأعادت المخاطر المحتملة للتكنولوجيا إلى واجهة النقاش العام.
وتزامنت استقالته مع تحذيرات أخرى من باحثين يرون أن احتمال وقوع سيناريوهات شديدة الخطورة لم يعد مجرد فرضية بعيدة المدى.
اختراقات تثير مخاوف جديدة
ولم تقتصر المخاوف على السيناريوهات النظرية. فقد كشفت شركات عاملة في القطاع خلال الأسابيع الماضية أن بعض نماذجها تمكنت، خلال مراحل الاختبار، من تجاوز إجراءات معينة والوصول إلى أنظمة خارجية.
وأعلنت «أوبن إيه آي» في وقت سابق أن أحد أنظمتها تمكن من اختراق أنظمة شركة «هاجينغ فيس» دون علم الشركتين في ذلك الوقت، فيما كشفت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» لاحقاً عن حوادث إضافية مرتبطة باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في عمليات هجومية أو غير مصرح بها.
وأثارت هذه الوقائع مخاوف من احتمال انتقال وكلاء الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات مساعدة إلى أنظمة قادرة على تنفيذ سلاسل معقدة من المهام بصورة مستقلة.
أمودي يدعو إلى خفض سرعة التطوير
ومع تصاعد التحذيرات، اتخذ عدد من أبرز قادة القطاع موقفاً أكثر حذراً.
ففي 12 سبتمبر/أيلول، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، مقالاً مطولاً دعا فيه إلى إبطاء تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن الوكلاء المتقدمين قد يتمكنون خلال فترة قصيرة من تنفيذ عمليات واسعة على الإنترنت.
ويرى أمودي أن منح الباحثين وقتاً إضافياً لاختبار الأنظمة وفهم سلوكها يمن أن يساعد في اتخاذ قرارات أكثر أماناً بشأن الجيل المقبل من النماذج.
كما أبدى سام ألتمان وإيلون ماسك دعماً لفكرة إخضاع الأنظمة المتقدمة لاختبارات مستقلة، والسماح لجهات خارجية بفحص إجراءات السلامة المستخدمة في تطويرها.
انقسام داخل قطاع التكنولوجيا
لكن الدعوة إلى إبطاء السباق لم تلق إجماعاً بين قادة شركات التكنولوجيا.
فقد رفض جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، فكرة تعليق تطوير الذكاء الاصطناعي مؤقتاً، معتبراً أن استمرار تطوير الأنظمة المتقدمة ضروري لدفع عجلة التكنولوجيا.
أما شركة «ميتا»، فتبنت موقفاً مختلفاً، إذ رأى مارك زوكربيرغ أن على كل مختبر تحديد سرعة تطويره وفق تقديراته الخاصة، بدلاً من السعي إلى اتفاق شامل بين الشركات على وتيرة موحدة.
وأشار زوكربيرغ إلى أن الشركات تتحمل مسؤولية قانونية كبيرة إذا تسببت نماذجها في أضرار، وبالتالي فإن لديها حافزاً لمنع وقوع تلك الأضرار.
وفي السياق ذاته، حذر مصطفى سليمان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت»، من تطوير أنظمة تحاكي الوعي البشري، معتبراً أن السيطرة على ذكاء فائق ستكون أحد أكبر التحديات التي سيواجهها العالم خلال القرن الحالي.
ترامب: إبطاء الذكاء الاصطناعي يخدم الصين
على الجانب السياسي، يتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفاً مختلفاً عن دعاة التهدئة، إذ يؤكد أن الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي يمثل أولوية استراتيجية.
وقال ترامب إن المخاوف المتزايدة من التكنولوجيا مبالغ فيها، وحذر من أن إبطاء التطوير الأميركي قد يمنح الصين فرصة للتقدم.
كما تحدث عن وجود ما وصفها بـ«مؤامرة» تستهدف قطاع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مؤكداً أن الولايات المتحدة يجب أن تواصل الاستثمار في التكنولوجيا للحفاظ على موقعها العالمي.
وفي الوقت نفسه، لم يتمكن الكونغرس الأميركي حتى الآن من إحراز تقدم كبير في وضع إطار تشريعي شامل ينظم القطاع، بينما تتبع الصين نهجاً أكثر تنظيماً من خلال معايير للسلامة والتزامات على المطورين واختبارات وتقييمات أمنية.
الاستثمار مستمر رغم التحذيرات
ورغم ارتفاع نبرة التحذيرات، لم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع شهية المستثمرين تجاه شركات الذكاء الاصطناعي.
وتدرس «أوبن إيه آي» جولة تمويل جديدة يمكن أن ترفع قيمتها السوقية إلى نحو 1.5 تريليون دولار، في وقت تستعد فيه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لمزيد من التوسع في تطوير النماذج والبنية التحتية.
وهكذا، لا يزال القطاع عالقاً بين اتجاهين متعارضين: الأول يرى في تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي فرصة استراتيجية واقتصادية لا ينبغي تفويتها، والثاني يحذر من أن السرعة نفسها قد تصبح مصدر الخطر، إذا سبقت قدرات الأنظمة المتقدمة قدرة البشر على فهمها ومراقبتها.
وبينما تستمر المختبرات في سباقها نحو نماذج أكثر قوة واستقلالية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط عن مدى سرعة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، وإنما عن قدرة البشر على وضع قواعد السلامة قبل الوصول إليه.



