نيويورك تايمز: مواقف الناخبين الأمريكيين تتجاوز الانقسام التقليدي بين الحزبين

نيويورك تايمز: مواقف الناخبين الأمريكيين تتجاوز الانقسام التقليدي بين الحزبين

المؤشر 19-09-2026   أظهر تحليل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن الخريطة السياسية للناخب الأمريكي تبدو أكثر تعقيدًا من الصورة التقليدية التي تقسم المجتمع إلى ديمقراطيين وجمهوريين، أو إلى ليبراليين ومحافظين.

وكتب غِرمان لوبيز أن كثيرًا من الأمريكيين يحملون مواقف متباينة بشأن القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد يتبنون في قضية ما موقفًا أقرب إلى أحد الحزبين، بينما يتخذون في قضية أخرى موقفًا يتعارض مع الخط السياسي المعتاد للحزب نفسه.

ويستند التحليل إلى بيانات صادرة عن معهد Searchlight، الذي أجرى أبحاثًا موسعة بهدف فهم الناخبين بعيدًا عن التصنيفات الحزبية التقليدية. وخلص المعهد إلى أن غالبية الناخبين لديهم مزيج من المواقف التي لا يمكن وضعها بسهولة على خط واحد يبدأ من اليسار وينتهي باليمين.

مواقف متباينة في القضايا نفسها

ويقدم التحليل أمثلة على هذا التداخل من خلال عدد من الملفات التي تشهد عادة انقسامًا حزبيًا واضحًا. فعند التعامل مع كل قضية بصورة منفردة، قد تظهر خريطة تقليدية للمواقف، لكن مقارنة مواقف الناخبين في قضايا متعددة تكشف وجود شريحة واسعة تجمع بين توجهات توصف عادة بأنها محافظة وأخرى توصف بأنها ليبرالية.

ويظهر الأمر كذلك في القضايا الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ يمكن للناخب نفسه أن يؤيد دورًا أكبر للحكومة في توفير بعض الخدمات، وفي الوقت ذاته يطالب بضوابط أكبر على الإنفاق الحكومي أو يشدد على مسؤولية الأفراد في بعض المجالات.

وتشير نتائج Searchlight إلى أن هذه المواقف المختلطة ليست ظاهرة هامشية، بل تمثل سمة أساسية لدى غالبية الناخبين. فقد قسمت الدراسة الناخبين إلى 9 مجموعات بناءً على مجموعة واسعة من القضايا والقيم، بدلًا من تصنيفهم وفق انتمائهم الحزبي فقط.

تسعة أنماط للناخبين

اعتمد الباحثون في عملية التصنيف على خمسة محاور رئيسية، تشمل أدوار الجنسين، ودور الولايات المتحدة في العالم، وسلطة الوالدين والأسرة، والدور الاقتصادي للحكومة، إلى جانب قضايا النظام والانفتاح.

وتوصلت الدراسة إلى أن 13% فقط من الناخبين يمكن تصنيفهم ضمن المجموعة المحافظة أيديولوجيًا بصورة كاملة، مقابل 9% للناخبين الليبراليين بصورة كاملة، بينما يحمل معظم الناخبين مواقف أكثر تنوعًا وتداخلًا

وتضم المجموعات التسع شرائح تختلف في أولوياتها ومواقفها؛ فهناك ناخبون يميلون إلى التوجهات التقدمية في الاقتصاد، لكنهم يتخذون مواقف أكثر تشددًا في قضايا الأمن والهجرة، في حين توجد مجموعات محافظة في ملفات ثقافية معينة لكنها تؤيد سياسات اقتصادية ترتبط عادة باليسار.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على دراسة Searchlight وحدها؛ إذ توصل مركز بيو للأبحاث في تصنيفه السياسي لعام 2026 أيضًا إلى وجود تسع مجموعات مختلفة من الناخبين، مؤكدًا أن العديد من الأمريكيين يجمعون بين قيم ومواقف لا تتطابق بالكامل مع أحد الحزبين الرئيسيين.

نظام الحزبين أمام اختبار التمثيل

ويرى لوبيز أن المشكلة لا تتعلق فقط بتنوع آراء الناخبين، وإنما أيضًا بالنظام السياسي الأمريكي القائم على حزبين رئيسيين، إذ يضطر الناخب في كثير من الحالات إلى الاختيار بين مرشحين ينتميان إلى حزبين قد لا يعكسان جميع مواقفه السياسية.

 

ومن بين الأفكار المطروحة لمعالجة هذه الفجوة اعتماد نظام انتخابي يسمح بتمثيل سياسي أوسع، مثل التمثيل النسبي الذي يمنح الأحزاب مقاعد تتناسب مع نسبة الأصوات التي تحصل عليها.

لكن في ظل استمرار النظام الحالي، تبرز أمام الحزبين الديمقراطي والجمهوري مهمة استيعاب قاعدة انتخابية لا تتطابق مواقفها بالضرورة مع الخط الحزبي في جميع القضايا.

انتخابات التجديد النصفي

وتكتسب هذه النتائج أهمية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث قد لا يكون الانتماء الحزبي وحده العامل المحدد لموقف الناخب، خصوصًا لدى الشرائح التي تمتلك مواقف مختلفة من قضية إلى أخرى.

وتشير نتائج الدراسات إلى أن فهم الناخب الأمريكي يتطلب النظر إلى مجموعة واسعة من القضايا والقيم، بدل اختزاله في ثنائية «أحمر» جمهوري و«أزرق» ديمقراطي.

وبذلك، فإن الصورة التي ترسمها هذه الأبحاث للناخب الأمريكي هي صورة أكثر تنوعًا من الاستقطاب الحزبي الظاهر في الخطاب السياسي والإعلامي؛ فالكثير من الناخبين لديهم أولويات ومواقف متعددة، وقد يتغير موقفهم من قضية إلى أخرى دون أن يعني ذلك تغيير انتمائهم الحزبي بالضرورة.