النينيو تضرب المحاصيل.. لكن مخزونات الحبوب والتكنولوجيا تحد من مخاطر أزمة غذاء عالمية

النينيو تضرب المحاصيل.. لكن مخزونات الحبوب والتكنولوجيا تحد من مخاطر أزمة غذاء عالمية

 المؤشر 12-08-2026   رغم قوة ظاهرة النينيو وتأثيراتها المناخية على عدد من المناطق الزراعية حول العالم، تبدو أسواق الحبوب العالمية اليوم أكثر قدرة على التعامل مع تداعياتها مقارنة بما كانت عليه خلال موجات النينيو السابقة.

ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع مستويات المخزونات العالمية، وتطور أصناف المحاصيل الزراعية، وتحسن تقنيات الري والتنبؤ بالطقس، إلى جانب صعود دول جديدة كقوى رئيسية في تجارة الحبوب، مثل البرازيل وروسيا.

وخلال العقود الأخيرة، ساهمت التطورات الزراعية في رفع إنتاجية المحاصيل الأساسية، وفي مقدمتها الأرز والقمح والذرة وفول الصويا، عبر استحداث أصناف أكثر إنتاجًا وقدرة على تحمل الظروف المناخية الصعبة، بالتوازي مع استخدام أكثر كفاءة للأسمدة وتحسين تقنيات الري وحماية النباتات.

وقال أندرو وايتلو، من شركة الاستشارات الزراعية الأسترالية «إبيسود 3»، إن التطور في إدارة المياه وتقنيات زراعة المحاصيل يسمح للمزارعين بالحفاظ على الإنتاج حتى في فترات الجفاف.

وأضاف أن المخاطر المرتبطة بتغير المناخ لا تزال قائمة، لكن تحسن استعداد القطاع الزراعي ساهم في الحد من حدة الاضطرابات المحتملة مقارنة بالعقود الماضية.

النينيو ترفع مخاطر الجفاف

وتنشأ ظاهرة النينيو نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ، وهي ظاهرة تؤثر في أنماط الطقس العالمية، وغالبًا ما ترتبط بمزيد من الجفاف في أجزاء من آسيا وأستراليا، مقابل ارتفاع معدلات الأمطار في مناطق من الأميركتين.

وتواجه عدة مناطق زراعية بالفعل تداعيات نقص الأمطار، إذ شهدت أجزاء من آسيا وأستراليا ظروفًا أكثر جفافًا، فيما تواجه الهند موسمًا ضعيفًا نسبيًا للأمطار الموسمية.

كما تثير توقعات الطقس الجاف في مناطق إنتاج القمح الرئيسية بأستراليا مخاوف بشأن المحصول المقبل، بينما تعاني مناطق في جنوب شرق آسيا، من بينها إندونيسيا وتايلاند، من نقص في الرطوبة.

وبحسب كريس هايد، خبير الأرصاد الجوية في شركة «سكاي فاي»، من المتوقع أن تزداد قوة النينيو خلال الربع الأخير من العام، قبل أن تستمر تداعياتها إلى بداية العام المقبل.

وتشير التوقعات إلى أن النينيو الحالية قد تكون من بين أقوى الظواهر المسجلة، وهو ما يعني أن التأثير الكامل للجفاف على الإنتاج الزراعي ربما لم يظهر بعد.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان ما حدث خلال موسمي 1997-1998 و2015-2016، عندما تسببت موجات نينيو قوية في تراجع إنتاج عدد من المحاصيل، الأمر الذي انعكس على أسعار الغذاء والتضخم والنمو الاقتصادي.

وخلال تلك الفترات، ارتفعت أسعار السكر وزيت النخيل مع انخفاض الإنتاج في عدد من الدول المنتجة، كما تراجعت إمدادات الأرز في جنوب شرق آسيا، وانخفضت صادرات القمح الأسترالية، ما دفع دولًا في جنوب إفريقيا إلى زيادة وارداتها من الذرة.

مخزونات مرتفعة تمنح الأسواق هامش أمان

وتختلف الظروف الحالية عن تلك الفترات بفضل ارتفاع مخزونات عدد من السلع الزراعية، إلى جانب التطور الكبير في تقنيات الزراعة وتحسن القدرة على التنبؤ بالظروف الجوية.

وفي الهند، أحد أكبر منتجي المحاصيل في العالم، استمرت عمليات الزراعة بصورة عامة وفق المسار المتوقع بعد بعض التأخير في بدايتها، مع اعتماد المزارعين على تحسن الأمطار خلال أغسطس وسبتمبر لضمان نمو المحاصيل.

ويرى أشوني بانسود، نائب رئيس أبحاث السلع في «فيليب كابيتال إنديا»، أن مستويات المخزونات المرتفعة توفر قدرًا من الحماية للأسواق حتى في حال تراجع الإنتاج.

وتبرز الهند بشكل خاص في سوق الأرز، إذ تستحوذ على نحو 40% من الصادرات العالمية، فيما تمتلك مخزونات ضخمة تتجاوز حجم صادرات السوق العالمية خلال عام كامل.

أما الصين، أكبر منتج ومستهلك للقمح عالميًا، فتحتفظ بما يقارب نصف مخزونات القمح العالمية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الاعتماد على احتياطياتها المحلية إذا أدى الجفاف إلى تقليص إنتاج أستراليا، أحد كبار موردي القمح في الأسواق الدولية.

وفي سوق زيت النخيل، تقترب المخزونات العالمية أيضًا من مستويات مرتفعة، رغم أن زيادة استخدامه في إنتاج الوقود الحيوي في إندونيسيا قد تؤدي إلى تراجع المخزونات خلال الأشهر المقبلة. ويمثل زيت النخيل نحو 60% من صادرات الزيوت الصالحة للأكل عالميًا.

البرازيل وروسيا تغيران خريطة تجارة الحبوب

ومن أبرز التحولات التي شهدتها أسواق الغذاء العالمية خلال العقود الماضية ظهور قوى تصديرية جديدة عززت حجم المعروض المتاح للأسواق الدولية.

وتعد البرازيل المثال الأبرز في سوق فول الصويا، بعدما تحولت إلى أكبر مصدر عالمي للمحصول، وقفزت صادراتها بأكثر من 13 ضعفًا مقارنة بمستويات موسم 1997-1998.

وفي سوق القمح، عززت روسيا موقعها بصورة كبيرة، إذ وصلت صادراتها إلى نحو 48 مليون طن العام الماضي، مقابل قرابة مليون طن فقط في موسم 1997-1998.

وتساعد هذه التحولات في تنويع مصادر الإمدادات العالمية، بما يقلل من اعتماد الأسواق على عدد محدود من الدول المنتجة، ويمنح المستوردين بدائل إضافية في حال تعرض منطقة زراعية رئيسية لظروف مناخية قاسية.

أصناف زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف

ولم تقتصر التطورات على زيادة الإنتاج، بل امتدت إلى تطوير بذور وأصناف زراعية قادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة ونقص المياه.

وانتشرت هجائن من الذرة المقاومة للجفاف في مناطق من أفريقيا والأميركتين منذ عام 2015، وهو ما ساعد المزارعين على تقليل خسائرهم في المواسم التي تشهد اضطرابًا في هطول الأمطار.

كما شهدت الهند وأستراليا توسعًا في استخدام أصناف من القمح تتحمل الحرارة والجفاف، مستفيدة من التطور في تقنيات تربية النباتات.

وفي جنوب شرق آسيا، توفر أصناف الأرز ذات دورة النمو القصيرة وسيلة للمزارعين للتكيف مع التغيرات المتزايدة في مواعيد وكميات الأمطار الموسمية.

التكنولوجيا تعزز قدرة المزارعين

وتمنح الأدوات الرقمية المزارعين اليوم إمكانات لم تكن متاحة على نطاق واسع خلال موجة النينيو في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

وتشمل هذه الأدوات مراقبة المحاصيل عبر الأقمار الصناعية، والتنبؤات المناخية الموسمية، وخرائط رطوبة التربة، فضلًا عن أنظمة تحديد المواقع التي تسمح بتوزيع الأسمدة والمدخلات الزراعية بدقة أكبر.

وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة «الفاو»، إن الحكومات باتت تمتلك معلومات أكثر دقة، الأمر الذي يسمح لها بالاستعداد في وقت أبكر واتخاذ قرارات أفضل في مواجهة التغيرات المناخية.

كما يتزايد الاعتماد على منصات زراعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تجمع بين بيانات الطقس والتربة والمحاصيل لتقديم توصيات بشأن توقيت الزراعة والري واستخدام الأسمدة ومكافحة الآفات.

الحروب وأسعار الأسمدة تبقي المخاطر قائمة

ورغم هذه التطورات، لا تزال هناك عوامل قد تحد من قدرة النظام الغذائي العالمي على امتصاص صدمات النينيو.

وتشكل التوترات والحروب في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأسود مصدرًا إضافيًا للقلق، خصوصًا في ظل تأثيرها المحتمل على حركة التجارة وتكاليف الطاقة والأسمدة.

ويرى توريرو أن تطورات النصف الثاني من عام 2026 ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الأسواق الزراعية على تجاوز هذه الضغوط، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف الأسمدة المرتبطة بالتوترات في منطقة مضيق هرمز.

وبذلك، تبدو الأسواق العالمية اليوم أكثر استعدادًا لمواجهة النينيو مما كانت عليه قبل نحو ثلاثة عقود، بفضل المخزونات الكبيرة وتنوع مصادر الإمداد والتقدم الزراعي والرقمي. لكن هذه العوامل لا تلغي المخاطر، إذ يمكن لتزامن الطقس المتطرف مع اضطرابات التجارة وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة أن يعيد الضغط على أسعار الغذاء والإمدادات العالمية.