شيقل قوي… واقتصاد فلسطيني أضعف. ماذا يعني خفض الفائدة الإسرائيلية إلى 3.75% وانخفاض الدولار إلى 2.80 شيقل على الفلسطينيين؟
بقلم: إياد مصطفى (باحث اقتصادي).
في مشهد اقتصادي يعكس تبايناً حاداً بين طرفين متجاورين اقتصادياً ومختلفين سيادياً، أعلن بنك إسرائيل خفض سعر الفائدة إلى 3.75%، بالتزامن مع استمرار قوة الشيقل الإسرائيلي الذي دفع سعر صرف الدولار إلى نحو 2.80 شيقل، وهو من أدنى مستوياته التاريخية.
هذه التطورات لا تعكس مجرد حركة في الأسواق المالية، بل تكشف عن مسارين متعاكسين: اقتصاد إسرائيلي يستفيد من أدوات السياسة النقدية والاستقرار النسبي في الأسواق، واقتصاد فلسطيني أكثر هشاشة يتأثر مباشرة بهذه التحولات دون امتلاك أدوات للتكيف أو الحماية.
لماذا يقوى الشيقل في ظل عدم الاستقرار؟
عادة ما تتراجع العملات في فترات التوترات الجيوسياسية، لكن الشيقل حافظ على قوته خلال الفترة الأخيرة. ويعود ذلك إلى عدة عوامل متداخلة:
أولاً، استمرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية نحو قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، الذي يشكل أحد أهم محركات جذب العملة الأجنبية، ويعزز الطلب على الشيقل.
ثانياً، تراجع قوة الدولار عالمياً نتيجة توقعات الأسواق بخفض أسعار الفائدة الأمريكية بعد موجة تشديد نقدي طويلة، ما انعكس على معظم العملات، بما فيها الشيقل.
ثالثاً، تراجع نسبي في معدلات التضخم داخل إسرائيل، ما سمح لبنك إسرائيل بالانتقال نحو سياسة نقدية أقل تشدداً، مع خفض الفائدة إلى 3.75% لتحفيز النمو دون إشعال التضخم مجدداً.
رابعاً، قوة قطاع التصدير الإسرائيلي، خصوصاً في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، الذي يضخ عملات أجنبية بشكل مستمر في الاقتصاد المحلي، ما يدعم الاحتياطات النقدية ويعزز قوة الشيقل.
هذا المزيج من العوامل جعل الشيقل يحافظ على قوته، بل ويستفيد من ضعف الدولار عالمياً، في وقت تتعرض فيه اقتصادات أخرى لتقلبات أكبر.
ماذا يعني ذلك فلسطينياً؟
على الجانب الفلسطيني، تبدو الصورة مختلفة تماماً، ليس لأن الاقتصاد الفلسطيني مرتبط بالشيقل فقط، بل لأنه لا يمتلك أدوات نقدية مستقلة تمكنه من امتصاص هذه الصدمات أو التكيف معها.
فالاقتصاد الفلسطيني يعمل ضمن بيئة نقدية مرتبطة عضوياً بالاقتصاد الإسرائيلي، ما يعني أن أي تغير في سعر الشيقل أو الدولار ينعكس مباشرة على الدخول والأسعار والتجارة.
أولاً: تآكل القوة الشرائية للدخول بالدولار
آلاف الفلسطينيين يعتمدون على دخل مقوم بالدولار، سواء عبر عمل المؤسسات الدولية أو التحويلات أو بعض الرواتب الخارجية.
عندما كان الدولار يساوي نحو 3.8 شيقل، كان دخل 1000 دولار يعادل حوالي 3800 شيقل. اليوم، ومع تراجع الدولار إلى نحو 2.80 شيقل، انخفض نفس الدخل إلى 2800 شيقل فقط.
هذا يعني خسارة مباشرة تقارب 1000 شيقل شهرياً دون أي تغيير في مستوى الأسعار المحلية، ما يخلق فجوة معيشية واضحة لدى شرائح واسعة تعتمد على الدخل بالدولار.
ثانياً: غياب انعكاس انخفاض الدولار على الأسعار
رغم تراجع الدولار، فإن أسعار السلع في السوق الفلسطينية لم تنخفض بنفس الوتيرة. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها:
1-ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
2-ضعف المنافسة في الأسواق المحلية.
3-بنية احتكارية في بعض القطاعات.
4-ضرائب ورسوم غير مرنة.
5-اعتماد كبير على الاستيراد.
وبالتالي، فإن المواطن الفلسطيني يخسر جزءاً من دخله دون أن يلمس انخفاضاً موازياً في تكاليف المعيشة.
ثالثاً: تراجع تنافسية الصادرات الفلسطينية
قوة الشيقل تعني أن تكلفة الإنتاج الفلسطيني، عندما تُقاس بالعملات الأجنبية، تصبح أعلى نسبياً. وهذا يضعف القدرة التنافسية للصادرات الفلسطينية، خصوصاً في ظل القيود على الحركة والتجارة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
النتيجة هي تراجع فرص التوسع في الأسواق الخارجية، ما يحد من قدرة القطاع الخاص الفلسطيني على النمو وخلق فرص عمل جديدة.
رابعاً: ضغط إضافي على المالية العامة
تعتمد السلطة الفلسطينية على تحويلات ومساعدات خارجية بالدولار واليورو، بينما تُدفع النفقات المحلية بالشيقل.
ومع انخفاض قيمة الدولار، تتراجع القيمة الفعلية لهذه التحويلات عند تحويلها إلى الشيقل، ما يفاقم أزمة السيولة، خصوصاً في ظل الضغوط الناتجة عن أزمة المقاصة وتراكم الالتزامات المالية.
سيناريوهات مستقبل سعر الصرف
في المدى القريب، تبدو قوة الشيقل مرشحة للاستمرار، لكن بوتيرة أقل حدة.
السيناريو الأول (الأكثر احتمالاً): استمرار قوة الشيقل ضمن نطاق 2.75 – 3.00 شيقل للدولار، مدفوعاً باستمرار الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا وتراجع الدولار عالمياً.
السيناريو الثاني: إرتفاع الدولار مجدداً في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية عالمياً أو عودة التضخم الأمريكي أو تأجيل خفض الفائدة في الولايات المتحدة.
السيناريو الثالث: تدخل بنك إسرائيل في حال أصبحت قوة الشيقل مهددة للصادرات، عبر أدوات نقدية مثل خفض إضافي للفائدة أو شراء الدولار من الأسواق.
اقتصاد فلسطيني بلا أدوات حماية
المشكلة الأساسية لا تكمن في قوة الشيقل بحد ذاتها، بل في غياب أدوات الحماية الاقتصادية الفلسطينية.
فالاقتصاد الفلسطيني لا يمتلك عملة وطنية، ولا يملك سياسة نقدية مستقلة، بالإضافة إلى أنه يعتمد على الاستيراد بشكل كبير، كما وأنه
يتأثر مباشرة بالسياسات النقدية الإسرائيلية، ويفتقر إلى أدوات التحوط المالي.
هذا يعني أن الفلسطينيين يتحملون نتائج قرارات نقدية لا يشاركون في صنعها، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة.
ما الخيارات المتاحة؟
أمام هذا الواقع، تبرز مجموعة من الخيارات الاقتصادية الممكنة، وإن كانت جزئية وليست حلولا جذرية:
تنويع العملات
تعزيز استخدام عملات إضافية مثل الدينار الأردني أو اليورو في بعض التعاملات، لتقليل الاعتماد الكامل على الشيقل والدولار.
أدوات تحوط مالية
تطوير منتجات مصرفية تساعد الأفراد والشركات على حماية أنفسهم من تقلبات أسعار الصرف.
دعم الإنتاج المحلي
كلما ارتفعت نسبة الإنتاج المحلي، تراجعت حساسية الاقتصاد الفلسطيني لتقلبات العملات الخارجية.
تنويع مصادر الدخل
زيادة الاعتماد على قطاعات أقل ارتباطاً بالعملة مثل التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
إعادة النظر في الإطار الاقتصادي القائم
إذ إن استمرار الاعتماد الكامل على بروتوكول اقتصادي مقيد يجعل الاقتصاد الفلسطيني عرضة لصدمات متكررة دون أدوات استجابة فعالة.
حين تصبح السياسة النقدية غير متكافئة.
قد يبدو خفض الفائدة الإسرائيلية وقوة الشيقل في ظاهرها مؤشراً على استقرار اقتصادي، لكنه بالنسبة للفلسطينيين يترجم إلى واقع مختلف تماماً أي بمعنى دخل أقل بالدولار، أسعار لا تنخفض، وصادرات أضعف، واقتصاد يعمل دون أدوات حماية.
وفي الوقت الذي يستخدم فيه بنك إسرائيل أدواته النقدية لضبط مسار اقتصاده، يبقى الاقتصاد الفلسطيني مكشوفاً أمام تقلبات لا يملك القدرة على التأثير فيها.
وهنا يبرز السؤال الأهم ليس عن مستقبل سعر الصرف فقط، بل عن نموذج الاقتصاد نفسه:كيف يمكن لاقتصاد أن يستمر في النمو، بينما لا يملك أدوات التحكم في عملته أو سياسته النقدية؟



