إرث العبودية يثير الانقسام في بريطانيا.. تعويضات الكاريبي أم استحضار دور لندن في إنهائها؟
المؤشر 05-11-2026 أعادت قمة الكومنولث، المنعقدة في أنتيغوا بمشاركة الملك تشارلز الثالث، فتح ملف تجارة الرقيق والإرث الاستعماري البريطاني، وسط تباين في وجهات النظر داخل الصحافة البريطانية بشأن مسؤولية لندن التاريخية، وما إذا كان يتعين عليها تقديم تعويضات للدول التي عانت من العبودية والاستغلال الاستعماري.
وعكست مقالتان نشرتا في صحيفتي «إندبندنت» و«تلغراف» اتجاهين مختلفين في التعامل مع القضية؛ إذ دعت الأولى إلى تبني مقاربة تنموية تعالج الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها العبودية، بدلاً من حصر النقاش في الاعتذارات والتعويضات المالية، فيما دافعت الثانية عن الدور البريطاني في إنهاء تجارة الرقيق، معتبرة أن البلاد تحملت بالفعل تكاليف بشرية ومالية كبيرة لتحقيق ذلك.
إندبندنت: التنمية مدخل لمعالجة إرث العبودية
طرحت صحيفة «إندبندنت» رؤية تقوم على تحويل الاعتراف بالماضي الاستعماري إلى خطوات عملية تعزز التعاون بين بريطانيا ودول الكاريبي، مشيرة إلى أن الملك تشارلز الثالث، بحكم موقعه الدستوري، ليس في وارد تقديم اعتذار رسمي باسم العائلة المالكة أو التنازل عن جزء من ثروته الشخصية، لكنه يستطيع المساهمة في دفع العلاقات نحو مرحلة جديدة تقوم على التنمية والشراكة.
واستندت الصحيفة إلى تصريحات رئيس غيانا عرفان علي، الذي يرى أن معالجة تداعيات العبودية لا يمكن أن تتحقق بمجرد الاتفاق على مبالغ مالية للتعويض، بل تتطلب مواجهة الاختلالات الاقتصادية والفوارق التنموية التي ما زالت تعاني منها الدول المتضررة.
وتشمل المقترحات المطروحة توفير تمويل تنموي بشروط ميسرة لدول الكاريبي، وإعادة النظر في أعباء الديون، إلى جانب زيادة الاستثمارات في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، فضلاً عن دعم المشروعات المرتبطة بالتكيف مع التغير المناخي.
واستحضرت الصحيفة التجربة التاريخية لغيانا، التي تكشف عن امتداد أنماط الاستغلال بعد انتهاء نظام العبودية؛ فبعد إلغاء الرق عام 1834، جرى استقدام أعداد كبيرة من العمال الهنود للعمل في مزارع قصب السكر.
كما أشارت إلى اعتذار عائلة جون غلادستون عام 2023 عن الانتهاكات التي ارتكبها أحد أسلافها بحق الأفارقة المستعبدين، باعتباره مثالاً على محاولات الاعتراف بالممارسات التي شهدتها المرحلة الاستعمارية.
وفي إطار رؤيتها، دعت «إندبندنت» إلى إطلاق برنامج بريطاني واسع النطاق على غرار مشروع مارشال، يستهدف مساعدة دول الكاريبي على تطوير بنيتها التحتية وتعزيز قدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية، خصوصاً الأعاصير التي تزداد آثارها خطورة بفعل التغير المناخي.
وترى الصحيفة أن تبني مثل هذه المبادرات من شأنه أن يمنح منظمة الكومنولث دوراً أكثر ارتباطاً باحتياجات أعضائها الحالية، بدلاً من استمرار ارتباطها بصورة الإمبراطورية البريطانية وتاريخها.
تلغراف: بريطانيا دفعت ثمناً كبيراً لإنهاء تجارة الرقيق
على الجانب الآخر، قدمت صحيفة «تلغراف» قراءة مغايرة من خلال مقال للكاتب توم توغندهات، نُشر في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تحت عنوان «بريطانيا دفعت بالفعل تعويضات عن العبودية».
ورفض الكاتب المطالبات بتعويضات جديدة، معتبراً أن تقييم الدور البريطاني في تجارة الرقيق يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضاً مساهمة البلاد في إنهائها، والتكاليف التي تحملتها خلال تلك العملية.
وأشار المقال إلى أن تجارة الرقيق لم تكن مقتصرة على بريطانيا، بل مارستها مجتمعات وحضارات متعددة عبر التاريخ، لكنه ركز على الخطوات التشريعية والعسكرية البريطانية التي مهدت لحظر هذه التجارة وإلغاء نظام العبودية.
وتناول الكاتب محطات تاريخية امتدت من القرون الوسطى، وصولاً إلى قرار حظر تجارة الرقيق عام 1807، ثم إلغاء العبودية عام 1833.
كما سلط الضوء على الدور الذي أدته البحرية الملكية البريطانية في اعتراض السفن المتورطة في نقل الأفارقة المستعبدين، مشيراً إلى أنها اعترضت نحو 1600 سفينة وأسهمت في تحرير قرابة 150 ألف شخص، فيما فقدت نحو 17 ألفاً من أفرادها، معظمهم نتيجة الأمراض خلال انتشارهم على السواحل الأفريقية.
واعتبر توغندهات أن هذه الخسائر البشرية والنفقات العسكرية تمثل جزءاً من الثمن الذي دفعته بريطانيا في مسار القضاء على تجارة الرقيق، وبالتالي ينبغي إدراجها ضمن أي تقييم تاريخي لمسؤوليتها عن تلك المرحلة.
ولم يقتصر المقال على الدور الأوروبي، بل أشار أيضاً إلى مشاركة ممالك أفريقية، بينها الأشانتي وداهومي، في تجارة الرقيق، معتبراً أن دراسة هذه الحقبة تتطلب النظر إلى الأطراف المختلفة التي شاركت فيها، بدلاً من تحميل المسؤولية لطرف واحد.
وحذر الكاتب من أن استمرار التركيز على التعويضات قد يؤدي إلى إطالة الخلافات التاريخية، داعياً إلى توجيه الاهتمام نحو مكافحة أشكال العبودية المعاصرة والعمل القسري، واستشهد في هذا السياق بأوضاع العمال المهاجرين ومعسكرات العمل في إقليم شينجيانغ الصيني.
الكومنولث أمام اختبار العلاقة مع الماضي
ويكشف الاختلاف بين الموقفين عن اتساع الجدل حول طبيعة المسؤولية التاريخية لبريطانيا، وحدود ما ينبغي أن يترتب عليها في الوقت الراهن.
فبينما تنطلق «إندبندنت» من أن إلغاء العبودية لا يعني انتهاء آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وتدعو إلى معالجة تلك التداعيات من خلال برامج استثمارية وتنموية، تركز «تلغراف» على التضحيات البريطانية خلال حملة مكافحة تجارة الرقيق، وترفض تحميل الأجيال الحالية التزامات مالية عن ممارسات تاريخية.
ورغم اختلاف المنطلقات، تلتقي الصحيفتان عند أهمية التصدي لأشكال الاستغلال والعبودية الحديثة، وضرورة التفكير في مستقبل الكومنولث، لكنهما تختلفان بشأن الوسائل التي ينبغي اعتمادها لتحقيق ذلك.
وتضع هذه النقاشات الملك تشارلز الثالث ودول الكومنولث أمام تحدٍ يتعلق بإعادة صياغة العلاقة بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة، في وقت تواجه فيه دول الكاريبي مشكلات اقتصادية وديوناً متراكمة ومخاطر بيئية متزايدة.
ويبقى جوهر الخلاف مرتبطاً بكيفية التعامل مع إرث الإمبراطورية البريطانية: هل يكون ذلك عبر استثمارات وتعويضات تنموية تعالج آثار الماضي، أم من خلال تجاوز الخلافات التاريخية والتركيز على مواجهة أشكال العبودية والاستغلال القائمة في العالم المعاصر؟

