لماذا يستبعد لجوء ترامب إلى الخيار النووي في مواجهة إيران؟

لماذا يستبعد لجوء ترامب إلى الخيار النووي في مواجهة إيران؟

المؤشر 05-11-2026  رغم تصاعد التكهنات بشأن احتمال استخدام الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسلحة نووية ضد المنشآت الإيرانية، فإن هذا السيناريو لا يستند حتى الآن إلى مؤشرات علنية تؤكد وجود قرار أميركي بهذا الاتجاه، كما نفى البيت الأبيض صحة الأنباء المتداولة بشأنه.

وتطرح هذه التكهنات تساؤلات بشأن حدود التصعيد الأميركي في المواجهة مع طهران، خصوصاً مع تزايد الحديث عن صعوبة تدمير بعض المنشآت النووية الإيرانية المحصنة بالوسائل العسكرية التقليدية، إلى جانب المخاوف من أن يتخذ ترامب قرارات غير متوقعة في ظل الضغوط السياسية والعسكرية.

وكان المعلق الأميركي تاكر كارلسون، الذي سبق أن ارتبط بعلاقات وثيقة مع ترامب، من بين الأصوات التي أثارت هذه المخاوف، بعدما تحدث عن احتمال اتخاذ قرار باستخدام السلاح النووي قبل السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، تحت تأثير ضغوط يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وزادت حالة القلق مع صدور إرشادات احترازية في عدد من الدول الغربية، بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تدعو المواطنين إلى الاستعداد للطوارئ وتوفير احتياجات أساسية مثل المياه والأغذية والبطاريات. كما بثت وسائل إعلام إيرانية رسمية تعليمات تتعلق بكيفية التصرف في حال وقوع هجوم نووي.

ويستند أنصار فرضية التصعيد النووي إلى اعتقاد بأن واشنطن تسعى إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية، وأن بعض المنشآت الموجودة في أعماق الأرض قد لا تتأثر بصورة كافية بالأسلحة التقليدية. غير أن مجموعة من الاعتبارات القانونية والعسكرية والسياسية تجعل استخدام هذا السلاح خياراً بالغ الصعوبة بالنسبة للإدارة الأميركية.

السلطة النووية للرئيس لا تعني غياب القيود القانونية

يمتلك الرئيس الأميركي صلاحية إصدار الأمر باستخدام الأسلحة النووية، ولا يشترط النظام الأميركي الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس لاتخاذ هذا القرار.

لكن هذه الصلاحية لا تعني أن تنفيذ أي أمر رئاسي يتم بصورة آلية أو أنه خارج إطار القواعد القانونية. فعادة ما يجري التشاور مع المستشارين العسكريين والأمنيين، وتُعرض الخيارات المتاحة على الرئيس، قبل انتقال الأمر إلى القيادة العسكرية المختصة للتحقق من صحته وبدء إجراءات التنفيذ.

وتتضمن منظومة التعامل مع الأسلحة النووية إجراءات تحقق متعددة، من بينها قاعدة «الشخصين»، التي تفرض مشاركة شخصين مخولين في الإجراءات الحساسة، بهدف الحد من احتمالات الخطأ أو الاستخدام غير المصرح به.

كما يظل أفراد القوات المسلحة ملزمين برفض الأوامر التي تتعارض مع القانون، حتى لو صدرت عن أعلى سلطة سياسية في البلاد. وتبرز هنا إشكالية قانونية مهمة تتعلق بمدى مشروعية استخدام السلاح النووي في هجوم أولي، خصوصاً عندما تكون طبيعة التهديد والضرورة العسكرية محل خلاف.

وفي جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، خلال التوتر مع كوريا الشمالية، أكد الجنرال المتقاعد روبرت كوهلر، القائد السابق للقيادة الاستراتيجية الأميركية المسؤولة عن القوات النووية، أن العسكريين غير ملزمين بتنفيذ الأوامر النووية غير القانونية، لكنه أشار إلى أن آليات التعامل مع مثل هذه الحالة ليست واضحة بصورة كاملة.

تحفظات تاريخية داخل المؤسسة العسكرية

لا تقتصر الاعتراضات على الجوانب القانونية، إذ يمتد الجدل إلى تقليد أخلاقي داخل المؤسسة العسكرية الأميركية بشأن مخاطر استخدام الأسلحة النووية وتداعياتها على البشرية.

ففي خطاب ألقاه عام 1948، حذر الجنرال عمر برادلي، رئيس أركان الجيش الأميركي آنذاك، من أن التطور العلمي في المجال النووي يتقدم بوتيرة أسرع من قدرة الإنسان على تطوير الضوابط الأخلاقية اللازمة للتعامل معه.

كما انتقد الجنرال جورج لي بتلر، القائد السابق للقيادة الاستراتيجية الأميركية، الاعتماد على السلاح النووي، معتبراً أن استخدامه لا يمكن تبريره أخلاقياً.

وفي الاتجاه نفسه، أكد الجنرال بيتر بيس، الذي تولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة بين عامي 2005 و2007، خلال ندوة في نادي الصحافة الوطني بواشنطن في فبراير/شباط 2006، ضرورة رفض العسكريين الأوامر غير القانونية وغير الأخلاقية المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية.

وتعكس هذه المواقف وجود تحفظات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية تتجاوز الحسابات العملياتية المباشرة، لتشمل المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على اتخاذ قرار بهذا الحجم.

استخدام النووي سيضعف صورة القوة العسكرية الأميركية

ومن الاعتبارات الأخرى التي تجعل السيناريو النووي مستبعداً، أن اللجوء إليه قد يوجه رسالة سلبية بشأن قدرة الأسلحة الأميركية التقليدية على تحقيق أهدافها العسكرية.

 

فالولايات المتحدة تمتلك ترسانة ضخمة ومتطورة من القاذفات الاستراتيجية والطائرات المقاتلة والصواريخ الدقيقة والقنابل التقليدية، فضلاً عن قدرات استخباراتية وتقنيات عسكرية متقدمة.

وبالتالي، فإن الانتقال إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران قد يثير تساؤلات بشأن فاعلية هذه المنظومة، ويعطي انطباعاً بأن واشنطن لم تعد قادرة على التعامل مع منشآت عسكرية محصنة باستخدام وسائلها التقليدية.

كما أن هذا الخيار قد يتعارض مع الخطاب الأميركي بشأن نتائج العمليات العسكرية السابقة، خصوصاً إذا استمرت الإدارة في التأكيد أنها نجحت بالفعل في تدمير نسبة كبيرة من قدرات البرنامج النووي الإيراني.

ومن ثم، فإن استخدام السلاح النووي قد يضع ترامب أمام تناقض سياسي وإعلامي، إذ سيكون مطالباً بتفسير الحاجة إلى سلاح استثنائي واسع التداعيات، في وقت تتحدث فيه إدارته عن تحقيق نتائج عسكرية كبيرة ضد المنشآت الإيرانية.

رد إيراني محتمل يهدد المنطقة بأكملها

على المستوى الإقليمي، ستكون التداعيات الأمنية لاستخدام السلاح النووي أكثر خطورة، حتى إذا تعلق الأمر بسلاح نووي تكتيكي محدود نسبياً مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية.

فأي ضربة من هذا النوع قد تفرض على واشنطن اتخاذ إجراءات واسعة لحماية مواطنيها وقواتها المنتشرة في الشرق الأوسط، إلى جانب التنسيق مع الدول الحليفة بشأن المخاطر المحتملة.

كما قد يؤدي الهجوم إلى رد إيراني واسع يستهدف المصالح الأميركية والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في المنطقة، بما يفتح الباب أمام مواجهة يصعب التحكم في نطاقها أو تحديد نهايتها.

ولا تقتصر المخاطر على الرد العسكري المباشر، إذ يمكن أن تتسع تداعيات أي استخدام نووي لتشمل الأوضاع الإنسانية والبيئية والاقتصادية، فضلاً عن التأثيرات المحتملة للإشعاع والتلوث على الدول المجاورة.

وفي ظل انتشار المصالح العسكرية والاقتصادية الأميركية في المنطقة، فإن واشنطن ستكون أمام احتمالات تصعيد تتجاوز بكثير النتائج المباشرة للعملية العسكرية.

عزلة دولية وتهديد للنظام النووي العالمي

سياسياً، قد يمثل استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي ضد إيران نقطة تحول خطيرة في علاقاتها الدولية، خصوصاً أن واشنطن تقدم نفسها باعتبارها إحدى القوى الرئيسية المدافعة عن منع انتشار الأسلحة النووية والحد من مخاطر استخدامها.

ومن شأن اتخاذ مثل هذا القرار أن يثير موجة واسعة من الإدانات الدولية، ويضعف الموقف الأميركي في الملفات المتعلقة بنزع السلاح النووي ومنع انتشاره.

كما قد يشجع دولاً أخرى على إعادة النظر في حساباتها الأمنية، والاتجاه إلى امتلاك قدرات نووية باعتبارها وسيلة ردع ضرورية في مواجهة التهديدات الخارجية.

وهذا الاحتمال قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، ويقوض الجهود الدولية التي استمرت عقوداً لمنع تكرار استخدام الأسلحة النووية في الحروب.

وتختلف الظروف الدولية الراهنة بصورة كبيرة عن تلك التي أحاطت باستخدام الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين ضد هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945، خلال الحرب العالمية الثانية؛ إذ باتت الأسلحة النووية اليوم جزءاً من منظومة ردع دولية شديدة التعقيد، ترتبط بتوازنات استراتيجية وحسابات متبادلة بين القوى الكبرى.

الخيار النووي بين التهديد السياسي والحسابات الواقعية

في المحصلة، لا يمكن استبعاد التصريحات والتكهنات المتعلقة بالخيار النووي من دائرة النقاش في ظل التصعيد بين واشنطن وطهران، لكن تحويل هذه الاحتمالات إلى قرار عسكري فعلي يواجه عقبات قانونية وعسكرية وسياسية وأخلاقية كبيرة.

 

فإلى جانب مخاطر الرد الإيراني واتساع الحرب إقليمياً، قد يؤدي استخدام هذا السلاح إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة الدولية وتقويض النظام العالمي للحد من انتشار الأسلحة النووية.

ولهذا تبدو الأسلحة التقليدية والضغوط الاقتصادية والسياسية أدوات أكثر قابلية للاستخدام بالنسبة لواشنطن، بينما يظل الخيار النووي سيناريو بالغ الخطورة، قد تكون تكلفته الاستراتيجية أكبر بكثير من أي مكاسب عسكرية محتملة.