الإعلام الأمريكي والبريطاني: مأزق تشكيل الحكومة يضع إسرائيل أمام خيارات صعبة والأحزاب العربية في قلب المشهد
المؤشر 31-10-2026 أعادت نتائج الانتخابات التشريعية في إسرائيل المشهد السياسي إلى دائرة التعقيد، بعدما أخفقت القوى المتنافسة في الحصول على أغلبية برلمانية تتيح لها تشكيل حكومة مستقرة، ما فتح الباب أمام مفاوضات سياسية شاقة قد تنتهي بتشكيل ائتلاف جديد أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
وسلطت تقارير وتحليلات نشرتها وسائل إعلام أمريكية وبريطانية الضوء على التحول الذي أحدثته المشاركة المتزايدة للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، والنتائج التي حققتها الأحزاب العربية، معتبرة أن هذه القوى باتت تمتلك ثقلاً انتخابياً قد يؤثر بصورة مباشرة في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
وبحسب قراءة صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن النتائج الأولية حملت مؤشرات متباينة لمعسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعارضة؛ إذ حافظ الأول على فرصه في العودة إلى الحكم، رغم تراجع قوته، بينما لم تتمكن المعارضة من تحقيق الفوز الحاسم الذي كانت تسعى إليه.
وأظهرت النتائج تقدم معسكر نتنياهو، تليه قوى المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حققت القوائم العربية حضوراً لافتاً بحصولها على نحو 19 مقعداً. ومع ذلك، لم يتمكن أي من المعسكرين من الوصول إلى عتبة 61 مقعداً المطلوبة لتشكيل حكومة أغلبية داخل الكنيست المكون من 120 عضواً.
وترى الصحيفة أن المعارضة تواجه معضلة سياسية في المرحلة المقبلة، تتمثل في إمكانية الاستعانة بالأحزاب العربية لتشكيل حكومة أقلية، أو البحث عن تفاهمات مع قوى أخرى، في ظل وجود خلافات داخل صفوفها بشأن طبيعة العلاقة مع ممثلي المواطنين العرب.
نتنياهو يتراجع دون خسارة فرص العودة
من جانبها، حذرت صحيفة «وول ستريت جورنال» من أن تعثر تشكيل الحكومة قد يعيد إسرائيل إلى مرحلة عدم الاستقرار السياسي التي عاشتها بين عامي 2019 و2022، عندما شهدت البلاد خمس انتخابات متتالية نتيجة الخلافات الحزبية وعدم القدرة على بناء ائتلافات حاكمة مستمرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن المفاوضات المرتقبة قد تستغرق أسابيع وربما أشهراً، دون وجود ضمانات للتوصل إلى صيغة حكومية قادرة على التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية المعقدة التي تواجه إسرائيل.
وفي السياق ذاته، اعتبر موقع «أكسيوس» أن نتنياهو خرج من الاستحقاق الانتخابي بموقع أضعف مقارنة بما كان عليه، لكنه لم يفقد فرصه السياسية، خصوصاً أن أداء حزبه جاء أفضل من بعض التوقعات الأولية.
ومن المنتظر أن يبدأ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاوراته مع ممثلي الأحزاب لتحديد الشخصية التي ستكلف بتشكيل الحكومة. وفي حال فشل المعسكرات المتنافسة في جمع العدد الكافي من المقاعد، تظل إمكانية الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال أبريل/نيسان المقبل قائمة، وفق التقديرات الأولية.
كما يبرز خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية باعتباره أحد الحلول الممكنة لتجاوز الأزمة، إلا أن الخلافات السياسية والشخصية بين نتنياهو وآيزنكوت، إلى جانب تعهد قوى معارضة برفض المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، تقلص فرص نجاح هذا السيناريو.
وفي المقابل، فإن استمرار نتنياهو في رئاسة حكومة تصريف الأعمال يمنحه مساحة لمواصلة التأثير في إدارة الملفات الأمنية والسياسة الخارجية، حتى حسم مسألة تشكيل الحكومة الجديدة.
الأحزاب العربية تكتسب ثقلاً في معادلة الحكم
وفي قراءة لنتائج الأحزاب العربية، ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن هذه القوى سجلت واحدة من أبرز نتائجها الانتخابية، بالتزامن مع ارتفاع نسبة المشاركة بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يشكلون قرابة 20% من السكان.
ووفق النتائج الأولية التي أوردتها الصحيفة، حصلت القائمة العربية المشتركة على 12 مقعداً، فيما نالت القائمة العربية الموحدة «راعم»، بقيادة منصور عباس، سبعة مقاعد، وهو ما يمنح الأحزاب العربية موقعاً مؤثراً في المشاورات المتعلقة بتشكيل الائتلاف الحكومي.
وربطت الصحيفة ارتفاع المشاركة الانتخابية بعدة عوامل، من بينها المخاوف من استمرار توجهات اليمين المتطرف، وتصاعد الجريمة المنظمة في البلدات العربية، فضلاً عن تنامي الشعور بالتمييز خلال فترة حكم حكومة نتنياهو.
لكن ترجمة هذا التقدم الانتخابي إلى نفوذ سياسي حقيقي ستظل مرتبطة بموقف أحزاب المعارضة الإسرائيلية، ومدى استعدادها للتعاون مع الكتل العربية، سواء عبر شراكة حكومية مباشرة أو من خلال تقديم الدعم البرلماني لحكومة بديلة.
من جهتها، سلطت صحيفة «الغارديان» الضوء على المعضلة التي تواجه غادي آيزنكوت، إذ يجد نفسه أمام خيارين سياسيين معقدين: إما استبعاد التعاون مع الأحزاب العربية، بما قد يسهل استمرار نتنياهو في السلطة، أو قبول تفاهمات معها بهدف تشكيل حكومة جديدة.
غير أن هذا الخيار يصطدم برفض بعض القوى داخل معسكر المعارضة، خصوصاً الأحزاب ذات التوجهات اليمينية، لأي صيغة تعتمد على دعم الكتل العربية للوصول إلى الحكم.
نسبة مشاركة مرتفعة ومستقبل سياسي مفتوح
أما صحيفة «إندبندنت»، فتناولت دلالات نسبة المشاركة التي بلغت نحو 77.7%، ووصفتها بأنها من أعلى النسب المسجلة منذ عقود، مع الإشارة إلى الإقبال الملحوظ للمواطنين العرب على صناديق الاقتراع.
واعتبرت الصحيفة أن هذه المشاركة تعكس رغبة متزايدة لدى المواطنين العرب في التأثير في المسار السياسي ومستقبل البلاد، إلا أن ارتفاع نسبة التصويت لا يعني بالضرورة أن حجم التمثيل السياسي سيعكس بصورة كاملة وزنهم الانتخابي.
وفي ظل هذه المعطيات، يواجه الرئيس إسحاق هرتسوغ مهمة صعبة لإيجاد تسوية بين المعسكرات السياسية وتجنب الذهاب إلى انتخابات جديدة، في وقت لا تزال فيه فرص تشكيل حكومة مستقرة غير محسومة.
وبين احتمالات تشكيل ائتلاف جديد، واستمرار حالة الجمود السياسي، والعودة إلى صناديق الاقتراع، تبدو الأحزاب العربية حاضرة بقوة في حسابات المرحلة المقبلة، بعدما أصبحت نتائجها عاملاً مؤثراً في موازين القوى البرلمانية.
ومع ذلك، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم المقاعد التي حصلت عليها هذه الأحزاب، بل بمدى قدرة القوى السياسية الأخرى على قبول دورها وتحويل حضورها الانتخابي إلى تأثير فعلي في عملية صنع القرار.


