تريليون دولار من المكاسب المحتملة.. هل تستطيع البنية التحتية في الشرق الأوسط مواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي؟
المؤشر 14-10-2026 تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فرصة اقتصادية كبيرة مع تسارع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إمكانية إطلاق قيمة اقتصادية مستدامة تتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2030. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية يرتبط بقدرة دول المنطقة على تطوير البنية التحتية، ولا سيما شبكات الكهرباء وإمدادات المياه ومراكز البيانات.
وتبرز هذه المعادلة في تقريرين أعدهما المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة «باين آند كومباني» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، إذ يناقشان من جهة الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لدعم النمو المستدام، ومن جهة أخرى التحديات التي قد تواجه التوسع في البنية التحتية الرقمية اللازمة لتشغيله.
أين تتوزع الفرص الاقتصادية المقدرة بتريليون دولار؟
بحسب تقرير «إطلاق القيمة: الذكاء الاصطناعي من أجل نمو مرن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تفتح المجال أمام فرص اقتصادية مستدامة تتجاوز تريليون دولار بحلول نهاية العقد الحالي، عبر خمسة مسارات رئيسية.
ويستحوذ القطاع العام على الحصة الأكبر من هذه الفرص، مع إمكانية دعم تدفقات استثمارية مستدامة بقيمة 370 مليار دولار. أما القطاع المالي، فتشير التقديرات إلى قدرته على إتاحة تمويل مستدام يصل إلى 200 مليار دولار.
وتشمل الفرص أيضاً الحد من خسائر طويلة الأجل في قيمة الأصول بقيمة تصل إلى 250 مليار دولار، إلى جانب تحسين تقييمات قطاع الطاقة بما يعادل 90 مليار دولار، نتيجة تعزيز الأداء والاستدامة.
كذلك، يُتوقع أن تسهم الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص، بالتعاون مع مختلف القطاعات الاقتصادية، في إطلاق مشروعات مستدامة تبلغ قيمتها نحو 100 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام الإمكانات التي قد يوفرها الذكاء الاصطناعي في مجالات الاستثمار والتمويل وإدارة المخاطر والطاقة. لكنها تمثل تقديرات للفرص والقيمة الممكنة، ولا تعني بالضرورة تحقيق إيرادات مباشرة أو إضافة مضمونة إلى الناتج المحلي الإجمالي.
فجوة بين الطموحات والتطبيق الفعلي
على الرغم من تنامي الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، لا تزال المؤسسات في المنطقة تواجه صعوبات في الانتقال من مرحلة إدراك فوائده إلى توظيفه على نطاق واسع.
وأظهر استطلاع شمل قادة الاستدامة أن 89% من المشاركين يرون أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات كبيرة أو كبيرة جداً في دعم أهداف الاستدامة داخل مؤسساتهم.
في المقابل، تتراوح نسبة المؤسسات التي بدأت اختبار حلول الذكاء الاصطناعي المستدام أو انتقلت إلى توسيع نطاق استخدامها بين 40% و55%، تبعاً لطبيعة التطبيق.
وتشير هذه النتائج إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في تحويل الاهتمام بالتكنولوجيا إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، مع القدرة على قياس أثرها الاقتصادي والبيئي.
ويعرض التقرير نماذج إقليمية لتطبيق هذه التوجهات، من بينها بنك أبوظبي الأول في القطاع المالي، ووزارة التنمية المستدامة في البحرين، وشركة «أدنوك» في مجال الطاقة، ووزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية في المبادرات المرتبطة بالاستدامة والتعاون بين القطاعين العام والخاص.
مراكز البيانات.. ورقة تنافسية للمنطقة
لم تعد المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي مقتصرة على تطوير النماذج المتقدمة والبرمجيات، بل باتت القدرة على توفير البنية التحتية الحاسوبية عاملاً أساسياً في جذب الاستثمارات وتوسيع الاستخدامات التجارية والصناعية لهذه التقنيات.
وفي هذا السياق، قد تتمتع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بميزة تنافسية في إنشاء مراكز البيانات فائقة الحجم، وفقاً للتقرير الثاني الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يتناول سبل تحسين البنية التحتية لهذه المراكز في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن ربط مراكز البيانات الجديدة بشبكات الكهرباء قد يستغرق في المنطقة ما بين عامين وخمسة أعوام، مقارنة بفترات يمكن أن تتجاوز عشر سنوات في بعض الأسواق المتقدمة.
ومن شأن تقليص المدة اللازمة لتوفير الربط الكهربائي أن يمنح المنطقة فرصة لاستقطاب استثمارات إضافية في البنية التحتية الرقمية، خصوصاً مع تزايد احتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قدرات حاسوبية ضخمة.
لكن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب توافر إمدادات كهربائية مستقرة، إلى جانب تطوير الشبكات بما يسمح باستيعاب الزيادة المتوقعة في الطلب.
فاتورة الطاقة والتبريد تضغط على البنية التحتية
تحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من الكهرباء لتشغيل الخوادم ومعالجة البيانات، فضلاً عن الطاقة اللازمة لتبريد المعدات والحفاظ على درجات حرارة مناسبة للتشغيل.
ووفقاً للبيانات التي يستند إليها التقرير من وزارة الطاقة الأميركية، قد تتجاوز حصة التبريد 40% من إجمالي استهلاك الكهرباء في بعض مراكز البيانات.
وتزداد حساسية هذه المسألة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال فترات طويلة من العام، الأمر الذي يزيد متطلبات التبريد ويرفع التكاليف التشغيلية المحتملة.
ولا تقف التحديات عند حدود الكهرباء، إذ تعتمد بعض أنظمة التبريد على المياه، ما يضيف ضغوطاً على مورد تعاني أجزاء واسعة من المنطقة من محدوديته.
كما أن أحمال الذكاء الاصطناعي قد تشهد تغيرات كبيرة وسريعة، وهو ما يزيد صعوبة التنبؤ بالطلب على الكهرباء ويضع شبكات الطاقة أمام تحديات إضافية تتعلق بالاستقرار والقدرة على الاستجابة.
ويحذر التقرير من أن المزايا التي توفرها المنطقة في مجال الطاقة قد لا تكون كافية لضمان نجاح التوسع في مراكز البيانات، ما لم تُطوّر حلول قادرة على إدارة الطلب المتزايد بكفاءة، مع الحد من التأثير في موارد الكهرباء والمياه.
بنية تحتية أكثر ذكاءً لتعزيز الاستدامة
يرى مارون كيروز، المدير الإداري في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن المنطقة تمتلك مقومات مهمة تؤهلها للاستفادة من النمو المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بما يشمل الموارد والقدرة الاستثمارية والطموحات الاقتصادية.
لكنه يشدد على أهمية تطوير البنية التحتية لمراكز البيانات والطاقة والمياه، بالتوازي مع توظيف الابتكار والتكنولوجيا في تحسين كفاءة استخدام الموارد.
بدورها، أكدت نداء المبارك، المدير الإداري في SRMG Think، أهمية الربط بين تطوير البنية التحتية الذكية والإدارة الرشيدة للموارد، بما يساعد على بناء منظومات رقمية مستدامة وقادرة على المنافسة عالمياً.
وفي هذا الإطار، تبرز مجموعة من الحلول التي يمكن أن تدعم التوسع، من بينها تصميم مراكز بيانات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وتطوير تقنيات التبريد، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتحسين عمليات التشغيل، فضلاً عن تحديث الأطر التنظيمية لمواكبة نمو القطاع.
هل تتحول الإمكانات إلى مكاسب اقتصادية مستدامة؟
توضح المؤشرات الواردة في التقريرين أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في المنطقة لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات الموجهة إلى التكنولوجيا، بل أيضاً بمدى قدرة الحكومات والشركات على توفير البنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
فالتوسع السريع في بناء مراكز البيانات قد يعزز جاذبية المنطقة أمام المستثمرين الدوليين، إلا أن تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة يتطلب معالجة تحديات الطاقة والمياه، وضمان الاستخدام الفعال للموارد، وتوجيه الاستثمارات نحو تطبيقات تحقق قيمة ملموسة للاقتصادات المحلية.
وبين فرص اقتصادية تتجاوز تريليون دولار وضغوط متزايدة على البنية التحتية، تبدو المعركة المقبلة أوسع من مجرد امتلاك تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة. فالميزة الحاسمة قد تكون للدول التي تنجح في بناء منظومة متكاملة تجمع بين القدرة الحاسوبية والطاقة المستقرة والإدارة المستدامة للمياه.


