كيف أعادت الجيوسياسة رسم خريطة الاستثمار العالمي؟

كيف أعادت الجيوسياسة رسم خريطة الاستثمار العالمي؟

المؤشر 08-07-2026   لم يعد رأس المال العالمي يتحرك وفق معادلة الكلفة والكفاءة كما كان لعقود؛ ففي عالم تتسارع فيه الأزمات الجيوسياسية، وتشتد المنافسة التكنولوجية، وتتصاعد السياسات الصناعية المدعومة حكوميًا، أصبح الاستثمار يبحث أولًا عن الأمن والاستراتيجية قبل أن يبحث عن الأرباح.

هذه هي الرسالة الأساسية التي يحملها تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، والذي جاء بعنوان «الاستثمار الدولي في حقبة مضطربة»، مقدّمًا صورة لعالم ما زال يجذب الاستثمارات، لكن وفق قواعد جديدة تختلف جذريًا عن تلك التي حكمت الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية.

نمو يخفي هشاشة

في الظاهر، تبدو الصورة إيجابية؛ فقد ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 بنسبة 6% لتصل إلى 1.624 تريليون دولار، مقارنة بـ1.532 تريليون دولار في العام السابق.

لكن التقرير يُحذر من أن هذا النمو لا يعكس تعافيًا واسعًا، بل يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا، فالزيادة جاءت أساسًا نتيجة عدد محدود من المشروعات العملاقة، وعلى رأسها استثمارات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بينما بقي نشاط الاستثمارات الجديدة في معظم القطاعات ضعيفًا تحت ضغط التوترات الجيوسياسية، وتقلب السياسات التجارية، وارتفاع تكلفة التمويل.

ويشير التقرير إلى أن استبعاد التدفقات المالية العابرة عبر بعض المراكز المالية الأوروبية يخفض معدل النمو الحقيقي إلى نحو 4% فقط، بعد عامين متتاليين من التراجع.

غوتيريش: العالم يعيش اضطرابًا عميقًا

في تقديمه للتقرير، يرى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن العالم دخل مرحلة من «الاضطراب العميق» تنعكس مباشرة على حركة الاستثمار العالمي، موضحًا أن الأرقام الإيجابية لا ينبغي أن تحجب التفاوت الكبير بين الدول والمناطق والقطاعات.

أما الأمين العام بالإنابة للأونكتاد بيدرو مانويل مورينو، فيلخص التحول بقوله إن رأس المال لم يعد يتبع الكفاءة الاقتصادية وحدها، بل أصبح يتجه إلى حيث توجد السياسات الصناعية والدعم الحكومي والاعتبارات الأمنية والتكنولوجية، وهو ما يجعل مهمة جذب الاستثمار أكثر صعوبة بالنسبة للدول النامية.

الاستثمار يتركز في عدد محدود من الدول

ورغم ارتفاع التدفقات العالمية، يكشف التقرير عن استمرار ظاهرة التركز الشديد؛ إذ استحوذت أكبر 20 دولة مستقبلة للاستثمار على أكثر من 80% من إجمالي التدفقات العالمية في عام 2025، بينما لم تمثل الاقتصادات النامية سوى نصف هذه القائمة.

ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين الاقتصادات الكبرى وبقية دول العالم، في وقت تتزايد فيه المنافسة على جذب رؤوس الأموال.

أوروبا تقفز.. وآسيا تحافظ على الصدارة

إقليميًا، سجلت أوروبا أكبر قفزة في قيمة الاستثمارات الوافدة، لترتفع إلى 285 مليار دولار بزيادة بلغت 39%، رغم انخفاض عدد المشروعات الجديدة بنسبة 18%.

أما أميركا الشمالية، فسجلت استقرارًا نسبيًا عند 344 مليار دولار، مع تراجع محدود بلغ 2%.

وفي آسيا، حافظت الاقتصادات النامية على مكانتها باعتبارها أكبر منطقة مستقبلة للاستثمار بين الدول النامية، بعدما جذبت 644 مليار دولار، مدعومة بالنمو القوي في الهند، بينما أصبحت دول جنوب شرق آسيا أكبر منطقة فرعية جاذبة للاستثمار، في حين شهدت شرق آسيا، بما فيها الصين، تراجعًا.

أما إفريقيا، فرغم انخفاض التدفقات إلى 70 مليار دولار مقارنة بالمستوى الاستثنائي الذي سجلته في 2024، فإنها لا تزال تحقق ثالث أعلى مستوى للاستثمار منذ عام 1990، وبقيمة تفوق متوسط السنوات الخمس عشرة الماضية بنحو الثلث.

وفي أميركا اللاتينية والكاريبي ارتفعت التدفقات إلى 188 مليار دولار، بقيادة البرازيل، إلا أن التقرير يلفت إلى أن عشر دول فقط استحوذت على 95% من إجمالي الاستثمار في المنطقة.

الذكاء الاصطناعي يقود موجة الاستثمار الجديدة

التحول الأبرز في التقرير يتمثل في الصعود اللافت للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

فقد ارتفعت قيمة مشروعات البنية التحتية الرقمية بأكثر من 80% خلال عام واحد، مدفوعة بالطلب المتزايد على مراكز البيانات ومنشآت الحوسبة الضخمة.

وفي المقابل، واصلت القطاعات الصناعية التقليدية التراجع؛ إذ انخفضت الاستثمارات في الصناعات كثيفة الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية بنسبة 13%، بينما تراجعت استثمارات الإلكترونيات بنحو 40%، والسيارات بنحو 25%، والمنسوجات والملابس بما يقارب 30%.

عصر الاستثمار الاستراتيجي

يرى التقرير أن العالم دخل بالفعل عصر «الاستثمار الاستراتيجي».

فبين عامي 2020 و2025 قفزت حصة القطاعات الاستراتيجية، التي تشمل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة وتقنيات الطاقة، من 16% إلى 44% من إجمالي الاستثمار الأخضر العالمي.

وبالأرقام، ارتفعت قيمة هذه الاستثمارات من 109 مليارات دولار إلى 576 مليار دولار خلال خمس سنوات فقط.

وكانت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أكبر المستفيدين، بعدما استحوذت وحدها على 60% من إجمالي الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، بينما سجل قطاع أشباه الموصلات أسرع معدل نمو سنوي بلغ 54%.

لكن المكاسب تذهب إلى الكبار

ورغم الطفرة، فإن ثمارها لم تتوزع بالتساوي.

فأكبر ثلاث دول مستثمرة استحوذت على 69% من قيمة الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، مقابل 32% فقط في القطاعات الأخرى، كما استحوذت أكبر ثلاث دول مستقبلة على نصف هذه الاستثمارات تقريبًا.

أما الدول منخفضة ومتوسطة الدخل الأدنى، فلم تحصل إلا على نحو 10% من هذه التدفقات، أي أقل من نصف نصيبها في القطاعات التقليدية.

التصنيع التقليدي يخسر.. والدول النامية الأكثر تضررًا

التقرير يرصد أيضًا تراجعًا واضحًا في الاستثمار الصناعي غير المرتبط بالقطاعات الاستراتيجية.

فقد انخفضت قيمة الاستثمارات من 970 مليار دولار خلال الفترة 2015-2019 إلى 807 مليارات دولار في الفترة 2021-2025.

وكانت الخسائر أكثر حدة في الدول النامية، التي سجلت انخفاضًا بنسبة 20%، بينما تراجعت الاستثمارات في أقل البلدان نموًا بنسبة وصلت إلى 65%، مقابل انخفاض محدود بلغ 11% فقط في الاقتصادات المتقدمة.

الحكومات أصبحت لاعبًا رئيسيًا

في موازاة ذلك، يتزايد تدخل الحكومات في توجيه الاستثمار.

فقد سجل عام 2025 رقمًا قياسيًا بلغ 229 إجراءً جديدًا يتعلق بسياسات الاستثمار، مقارنة بـ127 إجراءً فقط قبل عشر سنوات.

كما ارتفعت نسبة الإجراءات التقييدية إلى 27% من إجمالي السياسات الجديدة، مقابل 19% في عام 2016، في حين أصبحت الحوافز المالية الأداة الأكثر استخدامًا لجذب المستثمرين.

وفي الوقت نفسه، تضاعف عدد الدول التي تطبق أنظمة لفحص الاستثمار الأجنبي لأسباب تتعلق بالأمن القومي، من 21 دولة في 2016 إلى 52 دولة في 2025، رغم أن التقرير يؤكد أن حالات الرفض الفعلي للمشروعات تبقى نادرة للغاية ولا تتجاوز 1% من الملفات التي تخضع للمراجعة.

سباق عالمي على الدعم الصناعي

ويكشف التقرير عن تصاعد غير مسبوق في السياسات الصناعية.

فقد ارتفع متوسط التدخلات الحكومية السنوية من نحو 1,800 إجراء إلى أكثر من 2,800 إجراء خلال السنوات الأخيرة، فيما استحوذت الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين على نصف هذه التدخلات.

كما تضاعفت قيمة الدعم الحكومي المباشر للشركات ثلاث مرات تقريبًا، لتقفز من 271 مليار دولار إلى 779 مليار دولار، وهو ما يعكس دخول الاقتصاد العالمي مرحلة تنافس تعتمد بصورة متزايدة على الدعم الحكومي، وليس على قوى السوق وحدها.

الجغرافيا السياسية هي العامل الحاسم

وبحسب استطلاع أجرته الأونكتاد بين وكالات ترويج الاستثمار حول العالم، جاءت التوترات الجيوسياسية في مقدمة العوامل المؤثرة على قرارات المستثمرين، بعدما أشار إليها 76% من المشاركين.

تلاها التباطؤ الاقتصادي العالمي بنسبة 58%، ثم عدم اليقين بشأن السياسات التجارية بنسبة 54%، بينما جاءت اللوائح البيئية ومتطلبات الأمن القومي في مراتب لاحقة.

التقريب الجغرافي.. لم يتحقق بعد

ورغم كثرة الحديث عن انتقال الشركات إلى مواقع أقرب جغرافيًا، يؤكد التقرير أن ظاهرة «التقريب الإقليمي» لم تتحول حتى الآن إلى اتجاه عالمي واضح.

فالاستثمارات لم تنتقل بصورة جماعية إلى الدول المجاورة، بل اختلفت الأنماط من قطاع إلى آخر؛ إذ توسعت صناعات التكنولوجيا والإلكترونيات في مواقع جديدة، بينما بقيت علوم الحياة متركزة في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، في حين شهدت الصناعات كثيفة العمالة تراجعًا مصحوبًا بزيادة في التركّز.