خصوم تحت سقف واحد.. طهران تجمع “طالبان” ومعارضيها في تشييع خامنئي وتثير الجدل

خصوم تحت سقف واحد.. طهران تجمع “طالبان” ومعارضيها في تشييع خامنئي وتثير الجدل

المؤشر 08-07-2026   شهدت مراسم تقديم الوفود الأجنبية واجب العزاء في طهران بوفاة علي خامنئي، المرشد الإيراني السابق، تطوراً أثار كثيراً من الجدل، تمثّل في الحضور المتزامن لوفد حكومة طالبان في أفغانستان، إلى جانب وفدٍ من الشخصيات الأفغانية المعارضة لها.

وفي الدقائق الأولى من انطلاق مراسم تقديم واجب العزاء يوم الجمعة 3 يوليو/ تموز الجاري، لفت انتباه الحاضرين حضور وفد أفغاني يمثّل “الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان” برئاسة أحمد مسعود، وهي أبرز جماعة سياسية ـ عسكرية معارضة لحكومة طالبان وتسعى إلى إسقاطها.

وخلال السنوات الخمس الماضية، لم تُظهر طهران أي علاقة معلنة مع معارضي طالبان، كما لم يدلِ المسؤولون الإيرانيون بتصريحات بشأنهم.

وبعد ساعات، ومع استمرار المراسم، شوهد في قاعة الاحتفال الوفد الموفد من حكومة طالبان برئاسة الملا عبد الغني برادر أخوند، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. وعلى هامش المراسم، التقى نائب رئيس وزراء إمارة أفغانستان الإسلامية بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. كما شارك وزير الخارجية أمير خان متقي ضمن وفد حكومة طالبان، وعقد لقاءً منفصلاً مع نظيره الإيراني عباس عراقجي.

وشارك وفد الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان في الفترة الصباحية يوم الجمعة، وهي الفترة المخصصة للوفود غير الرسمية وغير الحكومية، بينما شارك وفد حكومة طالبان عصرا، خلال الفترة المخصصة للوفود الرسمية الحكومية.

ويُعدّ الحضور المتزامن لوفدَي حكومة طالبان ومعارضيها الأفغان في برنامج رسمي واحد بطهران حالة غير مسبوقة.

وكان يوم الجمعة الماضي هو المرة الأولى التي يشارك فيها وفد من معارضي طالبان في مناسبة رسمية تُقام في طهران.

كما أثارت الطريقة التي جرى بها التعريف بوفد حكومة طالبان ووفد المعارضة خلال مراسم تقديم العزاء للمرشد الإيراني السابق ردود فعل واسعة.

فقد قدّم عريف الحفل وفد طالبان بوصفه “وفد حكومة أفغانستان”، متجنباً استخدام الاسم الرسمي “إمارة أفغانستان الإسلامية”، في حين وصف وفد المعارضة بأنه “الوفد الأعلى للمقاومة في أفغانستان”.

ولا تعترف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحكومة إمارة أفغانستان الإسلامية، رغم أنها تتعامل معها باعتبارها السلطة الوحيدة القائمة في البلاد، كما سلّمت سفارة أفغانستان وقنصليتها في طهران ومشهد إلى ممثلي حكومة طالبان.

وبما أن الحكومة الإيرانية لا تعترف رسمياً بحكومة طالبان، فلم يُرفع علم الإمارة في البرامج الرسمية أو أثناء اللقاءات مع مسؤولي طالبان، بما في ذلك لقاء وزير خارجية إمارة أفغانستان الإسلامية مع عباس عراقجي في طهران، حيث اقتصر الأمر على رفع علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومع ذلك، وأثناء دخول وفد حكومة طالبان وتقديمه واجب العزاء بوفاة المرشد الإيراني السابق، تلا قارئ القرآن الكريم آيةً حملت رسالةً إيجابيةً للغاية، وهي الآية الأولى من سورة الفتح: “إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً”.

وفد المعارضة الأفغانیة

برزت في وفد المعارضة الأفغانية شخصيتان رئيسيتان هما أحمد مسعود، زعيم الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان، ومحمد محقق، أحد أبرز القيادات السياسية المعارضة لطالبان.

وأحمد مسعود هو نجل أحمد شاه مسعود، وزير الدفاع الأفغاني الأسبق وأحد أبرز قادة الجهاد ضد الجيش السوفييتي خلال فترة احتلال أفغانستان. وخلال الولاية الأولى لحكم طالبان، كان أحمد شاه مسعود من أبرز قادة الحرب والعمليات العسكرية ضد الحركة. وقد قُتل قبل يومين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، في تفجير انتحاري نفذه شخصان انتحلا صفة صحافيين.

وتولّى نجله أحمد مسعود، البالغ من العمر 36 عاماً، قيادة المقاومة ضد طالبان بعد سقوط كابول بيد قوات الحركة عام 2021. فقد توجّه إلى ضريح والده في ولاية بنجشير، وأعلن تأسيس “الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان” لمواجهة حكومة طالبان، ودعا المواطنين إلى التوجّه إلى بنجشير والانضمام إلى المقاومة ضد الحركة.

وفي ذلك الوقت، طالب أحمد مسعود الدول الغربية بعدم الاعتراف بحكومة طالبان، كما دعاها إلى تقديم الدعم العسكري واللوجستي لـ”الجبهة الوطنية للمقاومة”.

وفي نهاية المطاف، وبعد هجمات طالبان على بنجشير وسقوط الولاية، انتقل أحمد مسعود إلى طاجيكستان، ويقيم حالياً في العاصمة الفرنسية باريس، حيث يقود أنشطة المعارضة ضد حكومة طالبان.

وتُعدّ “الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان” حالياً أبرز وأقوى تنظيم سياسي ـ عسكري مناهض لحكم طالبان، كما تربطها علاقات وثيقة مع تنظيمات سياسية وعسكرية أخرى، من بينها “جبهة الحرية في أفغانستان”، وهي جماعة مسلحة معارضة لطالبان.

ولا تزال القوات التابعة لـ”الجبهة الوطنية للمقاومة في أفغانستان” تخوض مواجهات مع قوات طالبان في عدد من الولايات الشمالية في أفغانستان.

كما شارك في وفد المعارضة محمد محقق، زعيم حزب “وحدة الشعب”، وأحد أبرز القيادات السياسية المعارضة لطالبان. وقبل سقوط كابول بيد الحركة عام 2021، في عهد جمهورية أفغانستان الإسلامية، كان يشغل منصب المستشار السياسي والأمني للرئيس الأفغاني الأخير أشرف غني.

ويُعد محقق أيضاً من أبرز القيادات السياسية للهزارة في أفغانستان. وتشكل الأغلبية من أبناء قومية الهزارة أتباع المذهب الشيعي، وهو ما أسهم في إقامة علاقات وثيقة بينهم وبين إيران.

ردود الفعل الأفغانیة

أثار حضور وفدي طالبان ومعارضيها في مراسم تقديم واجب العزاء بـ علي خامنئي جدلاً واسعاً بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في أفغانستان. ورحّب معارضو طالبان بمشاركة وفدهم في هذه المراسم، في حين انتقد أنصار طالبان، طهران بسبب دعوتها التيارات المعارضة للحركة إلى جانب وفد “الحکومة الأفغانیة”.

وأعرب تيار “النهج الأخضر في أفغانستان” بقيادة أمر الله صالح، نائب رئيس الجمهورية الأفغانية السابق، عن شكره للجمهورية الإسلامية الإيرانية على دعوتها أحمد مسعود ومحمد محقق، وقال: “من خلال دعوة اثنين من أبرز قادة التيار المناهض لطالبان، أوصلت طهران، بصورة رمزية، رسالة إلى طالبان مفادها أنها ليست سوى جزء من المجتمع الأفغاني المتعدد القوميات والمتنوع، ولا يمكنها الادعاء بأنها تمثل الشعب الأفغاني بأكمله أو تفرض هيمنتها على جميع مكوناته”.

ووصف بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدين لطالبان حضور التيارات المعارضة بأنه يمثل إهانة للحركة، واعتبروا دعوة مسعود ومحقق بأنها مؤشر على “ازدواجية” في سياسة إيران.

رسمياً، اتهم نائب وزير الاقتصاد في حكومة طالبان، عبد اللطيف نظري، إيران بأنها “تلعب على الحبلين”، من خلال استضافة طالبان ومعارضيها في الوقت نفسه.

ودعا بلال فاطمي، وهو عضو سابق في الحزب الإسلامي ومن المحللين المؤيدين لطالبان، الملا عبد الغني برادر إلى مغادرة طهران احتجاجاً على هذه الخطوة، واصفاً ما قامت به طهران بأنه “خيانة لطالبان”.

فيما رأت بعض التيارات السياسية ومستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي أن دعوة إیران لطالبان ومعارضيها في الوقت نفسه تمثل مؤشراً على سياسة جديدة تنتهجها طهران تجاه أفغانستان.

وكتب شجاع الدين أميني، في مقال نشرته صحيفة “هشت صبح” الأفغانية، أن دعوة طالبان ومعارضيها في الوقت نفسه إلى طهران تكشف أبعاد العلاقة الإيرانية ـ الأفغانية، وقال: “تقوم العلاقة مع طالبان على مستوى الدولة والعلاقات الرسمية، بينما تستمر العلاقة السياسية مع معارضي طالبان، إلى جانب العلاقة الثقافية والدينية مع الشعب الأفغاني، كما ظهر من خلال دعوة المواطنين الأفغان للمشاركة في مراسم تشييع الزعيم الإيراني السابق.

ويُظهر هذا الفصل أن سياسة الجمهورية الإسلامية لا تقوم على استبعاد طالبان، ولا على تجاهل القوى المناهضة لها بصورة كاملة. كما تدرك الجمهورية الإسلامية أن السلطة في أفغانستان لا تزال، في الظروف الراهنة، محتكرة بيد طالبان، لكنها لا ترى بقاء هذه الحركة أمراً محسوماً إلى درجة تدفعها إلى حصر جميع قنوات اتصالها بطرف واحد”.

ردود الفعل في إيران

وفي أول رد فعل على توجيه الدعوة في الوقت نفسه إلى حكومة طالبان ومعارضيها، قال السفير الإيراني الأسبق في كابول حسن كاظمي قمي، إن طالبان لا تمثل جميع أبناء الشعب الأفغاني.

وقال قمي في مقابلة مع موقع “إيراف” الإيراني المعني بشؤون أفغانستان: “طالبان تمثل شريحة من الشعب الأفغاني، لكنها لا تمثل جميع أبناء هذا البلد”.

وأضاف المبعوث الإيراني السابق الخاص بالشأن الأفغاني أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بحكم الروابط الثقافية والتاريخية والحضارية التي تجمعها بأفغانستان، لا تحصر علاقاتها في تيار سياسي واحد، بل تحافظ على التواصل مع جميع الأطراف الأفغانية.

كما أوضح كاظمي قمي، تعليقاً على حضور عدد من الشخصيات المعارضة لطالبان إلى طهران، أن هذه الزيارة لم تكن ذات طابع سياسي، وإنما جاءت حصراً لتقديم واجب العزاء والمشاركة في مراسم تشييع خامنئي