وثيقة تأسيس حزب الليكود بالمغرب: مبادرة حقيقية أم اختبار للرأي العام؟

وثيقة تأسيس حزب الليكود بالمغرب: مبادرة حقيقية أم اختبار للرأي العام؟

المؤشر 05-11-2026   

أمين بوشعيب

في المغرب تتداول بعض منصات التواصل وثيقة تحمل عنوان «التصريح بتأسيس حزب الوحدة»، وتضع إلى جانب الاسم العربي تسمية عبرية مرتبطة بحزب الليكود الإسرائيلي، وتتضمن إشارات إلى شخصيات ومواقف سياسية مرتبطة بالعلاقات المغربية الإسرائيلية. وبعيداً عن صحة الوثيقة، التي لم يثبت لدينا صدورها عن جهة رسمية أو إيداعها لدى السلطات المختصة، فإن مضمونها يطرح أسئلة سياسية ودستورية تستحق إجابات واضحة، بعيداً عن التهويل والتخوين، ولكن أيضاً بعيداً عن الاستهانة بما قد يترتب عن مثل هذه المبادرات إذا ثبتت صحتها.

إن أول سؤال ينبغي طرحه هو: من حرر هذه الوثيقة؟ ومن يقف وراءها؟ وهل توجد لجنة تحضيرية حقيقية بهذا الاسم؟ وهل أودع أصحابها ملفاً رسمياً لدى وزارة الداخلية، أم أننا أمام مجرد إعلان متداول على وسائل التواصل الاجتماعي؟

إن الفرق كبير بين وثيقة يجري تداولها في الفضاء الرقمي، ومبادرة سياسية معلنة، وملف قانوني مستوفٍ للشروط التي يحددها التشريع المغربي. ولذلك، فإن مطالبة الجهات المختصة بتوضيح حقيقة الأمر ليست تشكيكاً في أحد، بل ممارسة مشروعة لحق الرأي العام في المعرفة. كما أن التساؤل عما إذا كان الأمر يتعلق بمبادرة فعلية أو بمحاولة لجس نبض المجتمع المغربي يظل سؤالاً مشروعاً، لكن الإجابة عنه تتطلب أدلة، لا مجرد تخمينات أو اتهامات.

إن المغرب دولة ذات تاريخ عريق وتعدد ثقافي وديني أصيل، ويشكل المكون العبري أحد روافد هويتها الوطنية. والمواطن المغربي اليهودي يتمتع بحقوق المواطنة، شأنه شأن سائر المواطنين، وله الحق في المشاركة في الحياة العامة والسياسية في إطار الدستور والقانون. لكن الفصل السابع من الدستور المغربي واضح في منع تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، أو على أي أساس تمييزي آخر.

ومن هنا، فإن الإشكال لا يتعلق بهوية الأشخاص الذين قد يقفون وراء المبادرة، ولا بدينهم أو أصولهم، وإنما بطبيعة المشروع السياسي نفسه. فإذا كان الأمر يتعلق بحزب وطني مفتوح أمام جميع المغاربة، ويقوم على برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي، فإن تقييمه ينبغي أن يتم وفق القانون. أما إذا كان تأسيسه يقوم صراحة على مرجعية دينية باعتبارها أساساً لوجود الحزب، فإن ذلك يثير إشكالاً دستورياً يتعين على الجهات المختصة دراسته. فلا يجوز أن نطالب باحترام الدستور في حالة، ثم نتساهل في تطبيقه في حالة أخرى. القانون واحد، والمواطنة واحدة، ولا ينبغي أن تكون هناك استثناءات لأي جهة كانت

ولذلك حقّ لنا أن نتساءل: هل نحن أمام محاولة لاستيراد صراعات الخارج إلى الداخل؟ وورود اسم الليكود الإسرائيلي في الوثيقة المتداولة، إذا تأكدت أصالتها، يطرح سؤالاً سياسياً إضافياً: ما طبيعة المشروع المقترح؟ وما علاقته بالمشهد السياسي المغربي؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد اختيار اسم، أم بتوجه سياسي يراد نقله من سياق خارجي إلى البيئة المغربية؟

هذه أسئلة تستحق البحث، وتتطلب جوابا سريعا من الجهات المسؤولة لرفع اللبس والغموض عن هذه القضية التي أثارت جدلا كبيرا.

 ونحن هنا لا نتهم أحدا بخدمة أجندة أجنبية أو السعي إلى زعزعة استقرار البلاد. ولكنّ التجارب السياسية تعلمنا أن استغلال الانتماءات الدينية والعرقية في التنافس الحزبي قد يفتح أبواباً خطيرة أمام الاستقطاب، ويحول الاختلاف الطبيعي بين المواطنين إلى تنافس قائم على الهويات الفرعية بدل البرامج والمصالح المشتركة. والمغرب، الذي يحتاج اليوم إلى أحزاب قوية ومسؤولة، قادرة على مواجهة الفساد والبطالة والتفاوتات الاجتماعية، ليس في حاجة إلى نقل الصراعات الخارجية إلى ساحته السياسية، ولا إلى تحويل الانتماء الديني إلى وسيلة لبناء النفوذ داخل الدولة.

وبناء عليه نرى أن المسؤولية في هذه القضية تقع أولاً على عاتق الجهات المختصة، التي ينبغي أن توضح للرأي العام حقيقة الوثيقة، وما إذا كان هناك ملف رسمي مرتبط بها، وأن تتعامل مع أي مبادرة من هذا النوع وفق المقتضيات الدستورية والقانونية نفسها التي تطبق على الجميع. فالصمت أمام تداول وثائق مثيرة للجدل قد يترك المجال واسعاً أمام الإشاعات والتأويلات المتناقضة، بينما يساعد التوضيح الرسمي على تبديد الشكوك وحماية النقاش العام من التضليل.

كما أن من حق المغاربة أن يعرفوا حقيقة ما يجري، وأن يطمئنوا إلى أن المؤسسات تحمي قواعد التنافس السياسي، وتصون وحدة المواطنة، ولا تسمح بتحويل الانتماءات الدينية أو العرقية إلى أدوات للاستقطاب وإثارة الفتنة والعبث بأمن البلاد وبوحدة الوطن.

وخلاصة القول: إن المواطنة المغربية فوق كل اعتبار، وإننا لا ندافع عن المغرب بالتشكيك في مواطنة فئة من مواطنيه، ولا نحمي وحدته الوطنية بإثارة العداوات بين مكوناته. بل نحميه بتطبيق الدستور، وضمان المساواة أمام القانون، والتصدي لكل مشروع يهدد وحدة المواطنة، أياً كان مصدره أو الجهة التي تقف وراءه.

إننا نريد أحزاباً تجمع المغاربة حول البرامج والمشاريع، لا أحزاباً تقسمهم على أساس الدين والعرق. ونريد مؤسسات تحسم في القضايا وفق القانون، لا وفق الضغوط أو الحسابات السياسية. فالمغرب في حاجة إلى مزيد من الوحدة الوطنية، والعدالة، والثقة في المؤسسات، وليس إلى مزيد من الشكوك والانقسامات.

فلاش: ومن بين المبررات التي تستند إليها الوثيقة المتداولة، الإحالة إلى الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 30 مارس 2019، بمناسبة زيارة البابا فرانسيس إلى المغرب، والذي أكد فيه أنه، بصفته ملكاً للمغرب وأميراً للمؤمنين، يضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية، وأنه أمير لجميع المؤمنين على اختلاف دياناتهم. غير أن الاستناد إلى هذا الخطاب لتبرير تأسيس حزب ذي مرجعية دينية يهودية يطرح إشكالاً جوهرياً؛ ذلك أن إمارة المؤمنين، كما ينظمها الفصل 41 من الدستور المغربي، مؤسسة دينية دستورية مرتبطة بالإسلام، وليست إطاراً لتأسيس أحزاب سياسية على أساس الانتماء الديني. فالخطاب الملكي، في سياقه، يؤكد حماية حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وضمان التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، ولا يمكن تفسيره باعتباره ترخيصاً بتأسيس أحزاب دينية، أياً كانت مرجعيتها. ويؤكد الفصل السابع من الدستور هذا المبدأ بمنعه تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو عرقي. وعليه، فإن الخلط بين ضمان الحقوق الدينية لجميع المواطنين وبين اتخاذ الدين أساساً لتأسيس حزب سياسي يمثل استنتاجاً لا يسنده النص الدستوري، ولا يصلح، في حد ذاته، مبرراً قانونياً لمثل هذه المبادرة.