ما يجري يعكس إعادة تموضع توازن بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسي ضمن سياسة أمريكية تركز على إدارة الأزمات أكثر من حسمها

ما يجري يعكس إعادة تموضع توازن بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسي ضمن سياسة أمريكية تركز على إدارة الأزمات أكثر من حسمها

المؤشر 03-08-2026  

د. تمارا حداد

 ما يجري يعكس إعادة تموضع توازن بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسي ضمن سياسة أمريكية تركز على إدارة الأزمات أكثر من حسمها...

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تنفيذ تهديداته العسكرية ضد إيران لا يمكن اعتباره قراراً شخصياً بحتاً، رغم أن شخصية ترامب معروفة بالتصريحات الحادة واستخدامها كوسيلة للضغط السياسي والتفاوضي، مؤكدة أن إدارة مواجهة بهذا الحجم لا تخضع لقرار فردي، وإنما لحسابات دقيقة تشارك فيها المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية الأمريكية، إلى جانب التقديرات الواردة من الحلفاء، وفي مقدمتهم دول الخليج التي مارست ضغوطاً لتجنب اللجوء إلى الخيار العسكري في هذه المرحلة.

وتوضح حداد أن التراجع جاء نتيجة إدراك واشنطن لارتفاع كلفة أي مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، سواء على مستوى المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أو الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، إضافة إلى احتمالات توسع الصراع ليشمل أطرافاً إقليمية أخرى. وتشير حداد إلى أن الإدارة الأمريكية تدرك أن أي حرب مع إيران لن تكون قصيرة أو محدودة، بل قد تؤدي إلى تهديد الملاحة الدولية، وإرباك أسواق النفط، واستهداف القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على سياسة الردع مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً خياراً أكثر جدوى من الانخراط في مواجهة واسعة، من دون أن يعني ذلك تراجعاً عن الأهداف الأمريكية.

وتوضح حداد أن من بين أبرز المخاوف الأمريكية احتمال استخدام إيران أوراق ضغط إضافية لم تُستخدم حتى الآن، لا تقتصر على مضيق هرمز، وإنما تمتد إلى احتمال إغلاق باب المندب، فضلاً عن التخوف من تنفيذ هجمات تستهدف البنية التكنولوجية في الشرق الأوسط، وهي سيناريوهات تثير قلقاً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل معاً.

وفي ما يتعلق بتأثير القرار على مكانة الولايات المتحدة، تؤكد حداد أن الصورة ليست أحادية، إذ قد يرى خصوم واشنطن أن التراجع بعد إطلاق تهديدات قوية يعكس قدراً أكبر من الحذر ويثير تساؤلات حول مدى استعدادها لاستخدام القوة، وهو ما قد يدفع بعض القوى المنافسة إلى اختبار حدود النفوذ الأمريكي ويثير شكوك بعض الحلفاء بشأن التزام واشنطن بتهديداتها الأمنية.

وتؤكد حداد أن هذا السلوك يمكن تفسيره أيضاً بوصفه تعبيراً عن براغماتية سياسية، لأن القوة لا تُقاس باللجوء إلى الحرب فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة الأزمات وتجنب الصراعات المكلفة.

وتشدد حداد على أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر القدرات العسكرية والاقتصادية وتحالفات دولية واسعة، ولذلك فإن هيبتها لا ترتبط بتراجع تكتيكي واحد، بل ستتحدد بمدى نجاح هذا التراجع في تحقيق تسوية تحفظ المصالح الأمريكية، معتبرة أن ما يجري يعكس إعادة تموضع تقوم على الموازنة بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسي، في إطار سياسة أمريكية تركز على إدارة الأزمات أكثر من حسمها.