هل فقدت «العظماء السبعة» بريقها؟.. المستثمرون يعيدون النظر في رهانات الذكاء الاصطناعي
ضغوط على أسهم التكنولوجيا الكبرى
شهدت أسهم الشركات السبع، التي تضم إنفيديا، ومايكروسوفت، وأبل، وأمازون، وألفابت، وميتا، وتسلا، تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى تبخر أكثر من تريليوني دولار من قيمتها السوقية في يونيو، بعدما كانت المحرك الرئيسي لموجة الصعود التي شهدتها وول ستريت خلال العامين الماضيين.
ورغم استمرار الإقبال على تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الأسواق بدأت تتساءل عن مدى قدرة هذه الشركات على تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الإنفاق المتزايد على مراكز البيانات والبنية التحتية والرقائق الإلكترونية.
استثمارات تاريخية ومخاوف من العائد
تشير التقديرات إلى أن الإنفاق الرأسمالي المرتبط بمشروعات الذكاء الاصطناعي لدى كبرى شركات التكنولوجيا قد يتجاوز تريليون دولار خلال عامي 2025 و2026، وهو مستوى غير مسبوق من الاستثمار.
لكن هذا التوسع يأتي في وقت لا تنمو فيه الأرباح والتدفقات النقدية بنفس الوتيرة، الأمر الذي يزيد الاعتماد على التمويل ويثير مخاوف المستثمرين بشأن قدرة تلك الاستثمارات على تحقيق مردود اقتصادي كافٍ، خاصة مع ارتفاع أسعار مكونات أساسية مثل شرائح الذاكرة، وما يرافق ذلك من ضغوط على هوامش الربحية.
من قيادة السوق إلى تراجع الزخم
خلال عامي 2024 و2025، شكلت شركات «العظماء السبعة» ما يقارب ثلث القيمة السوقية لمؤشر S&P 500، وأسهمت بالنصيب الأكبر من مكاسب المؤشر.
إلا أن الصورة بدأت تتغير مع تراجع الزخم الذي كانت تتمتع به هذه الأسهم، في وقت انتقلت فيه أنظار المستثمرين إلى شركات تصنيع الرقائق المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، قبل أن تتعرض هي الأخرى لموجة من الضغوط والتراجعات.
دروس من تاريخ الأسواق
إطلاق أسماء على مجموعات الأسهم ليس ظاهرة جديدة في وول ستريت. فقد سبق أن اشتهرت مجموعة «FAANG»، وقبلها مجموعة «Nifty Fifty» التي ضمت شركات اعتُبرت في ذلك الوقت استثمارات لا تخسر.
لكن التجارب التاريخية أظهرت أن العديد من تلك الشركات فقدت مكانتها مع مرور الوقت، وهو ما يؤكد أن الشركات الرائدة ليست بمنأى عن تغيرات السوق، مهما بلغت قوتها.
هل يطغى الزخم على الأساسيات؟
يرى محللون أن نجاح «العظماء السبعة» لم يكن قائمًا فقط على قوة أعمالها، بل عززته أيضًا موجة الاستثمار القائمة على الزخم، حيث يفضل المستثمرون شراء الأسهم الصاعدة أملاً في استمرار ارتفاعها، بدلاً من التركيز على تقييماتها المالية.
كما أدى جمع شركات تعمل في قطاعات مختلفة، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، تحت مسمى واحد، إلى التقليل من أهمية الفروق الجوهرية في نماذج أعمالها.
ومع التراجعات الأخيرة، بدأت هذه العلاقة تتفكك، وأصبح أداء كل شركة يعكس ظروفها الخاصة أكثر من كونه جزءًا من حركة جماعية.
صناديق المؤشرات رفعت تركّز الاستثمارات
ساهمت الصناديق الاستثمارية التي تتبع المؤشرات في تعزيز صعود هذه الشركات، إذ تضطر إلى زيادة استثماراتها في الأسهم الأعلى قيمة سوقية كلما ارتفعت أسعارها، ما أدى إلى تركّز جزء كبير من الأموال في عدد محدود من الشركات.
كما وجد كثير من مديري الصناديق النشطة أنفسهم مضطرين إلى زيادة مراكزهم في هذه الأسهم حتى لا يتراجع أداؤهم مقارنة بالمؤشرات المرجعية.
هل تتشكل فقاعة جديدة؟
يتزايد الحديث في الأسواق حول احتمال تشكل فقاعة استثمارية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل التدفقات المالية الضخمة التي يشهدها القطاع.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم التحولات التقنية في العصر الحديث، فإن التاريخ يشير إلى أن الثورات التكنولوجية غالبًا ما تمر بمراحل من المبالغة في التوقعات قبل أن تظهر آثارها الاقتصادية الفعلية.
ويستشهد مراقبون بما حدث خلال طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، حيث سبق النمو الحقيقي موجة واسعة من الاستثمارات المفرطة والخسائر، قبل أن تتحول تلك البنية التحتية إلى ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.
أسئلة لم تُحسم بعد
لا تزال هناك تساؤلات عديدة تحيط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، أبرزها العمر الاقتصادي لمراكز البيانات والرقائق الحالية، ومدى قدرة هذه الأصول على تحقيق عوائد تكفي لتغطية التكاليف الضخمة والديون التي مولت إنشاءها.
ويرى خبراء أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الاستثمارات الحالية تمثل بداية مرحلة نمو طويلة الأجل، أم أنها تعكس موجة مبالغًا فيها من التفاؤل.
التنويع يبقى الخيار الأكثر أمانًا
في ظل هذه المتغيرات، يؤكد محللون أن تنويع المحافظ الاستثمارية بين قطاعات وأسواق وأصول مختلفة يظل الوسيلة الأكثر فعالية للحد من المخاطر، بدلاً من الاعتماد على مجموعة محدودة من الأسهم.
كما أن الاحتفاظ بجزء من السيولة قد يمنح المستثمرين مرونة أكبر للاستفادة من الفرص المستقبلية، خصوصًا مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وأثره على أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى.



