عودة هرمز تهدئ أسعار النفط.. ولكن شح المعروض يواصل الضغط

عودة هرمز تهدئ أسعار النفط.. ولكن شح المعروض يواصل الضغط

المؤشر 24-06-2026   في الوقت الذي رحبت فيه الأسواق العالمية بإعلان اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 85 دولاراً للبرميل بعد أشهر من الاضطرابات التي دفعت الأسعار إلى مستويات تاريخية، لفت خبراء الطاقة إلى أن انخفاض الأسعار لا يعني انتهاء الأزمة، بل انتقالها إلى مرحلة مختلفة عنوانها إعادة بناء المخزونات العالمية والصراع على البراميل المتاحة.

ووقّع الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بيزشكيان عن بُعد، الأسبوع الماضي، مذكرة التفاهم التي نصّت على وقف الحرب بما يشمل جبهة لبنان، وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ومن المفترض أن تعقب ذلك مفاوضات هدفها التوصل خلال 60 يوماً لاتفاق نهائي يشمل ملفات أهمها البرنامج النووي الإيراني

وتراجعت أسعار النفط العالمية لتتداول عند أقل 80 دولاراً للبرميل، بعد أن تم تداوله عند سعر تجاوز 120 دولاراً للبرميل على خلفية الصراع الأميركي الإيراني وإغلاق مضيق هرمز.

وخلال الأسابيع الماضية، كانت السوق العالمية تواجه نقصاً يقدر بنحو 12 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى اضطرابات واسعة في تدفقات المنتجات النفطية، نتيجة القيود المفروضة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله جزء كبير من صادرات الطاقة الخليجية.

ويرى شعيب بوطمين، خبير الطاقة الرئيس التنفيذي لشركة رانادريل، أن إعلان إعادة فتح مضيق هرمز منح الأسواق جرعة كبيرة من التفاؤل، خصوصاً مع وجود عشرات السفن والناقلات التي ظلت عالقة داخل المنطقة خلال الأشهر الماضية.

وأضاف بوطمين أن الأسواق العالمية تدخل حالياً موسم الذروة الصيفية، وهو ما يرفع احتياجات المصافي إلى النفط الخام، كما يزيد الطلب على وقود الطائرات مع انتعاش حركة السفر العالمية، الأمر الذي يجعل عودة التدفقات النفطية عبر المضيق عاملاً مهماً في تخفيف النقص الذي شهدته الأسواق خلال الفترة الماضية

الأسواق تحتفل.. لكن الفجوة لم تختفِ

ورغم التراجع السريع للأسعار عقب الإعلان عن الاتفاق، يرى بوطمين أن أسعار خام برنت كانت تدور حول 72 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الحرب، بينما تدور حالياً قرب 76 دولاراً رغم إعلان إعادة فتح مضيق هرمز، ما يعكس استمرار وجود فجوة كبيرة بين العرض والطلب، «فالسوق العالمية كانت تعاني قبل الحرب من وفرة نسبية في المعروض، أما اليوم فإن التراجع الحالي للأسعار يعكس التفاؤل بإمكانية عودة الإمدادات أكثر، ما يعكس تحسناً فعلياً في أساسيات السوق».

ويقول خبير الطاقة الرئيس التنفيذي لشركة رانادريل إن الطلب العالمي لا يزال يحتاج إلى كميات إضافية من النفط لسد النقص الحالي، فضلاً عن تلبية الطلب الموسمي المرتفع خلال فصل الصيف، وهو ما قد يدفع الأسعار للعودة إلى مستويات تتجاوز 80 دولاراً للبرميل خلال الأسابيع المقبلة.

إعادة بناء المخزونات.. القصة الحقيقية المقبلة

وترى مؤسسة وود ماكنزي أن العامل الأكثر أهمية بعد إعادة فتح مضيق هرمز لا يتعلق بعودة الإمدادات فقط، بل بما سيحدث للمخزونات العالمية التي تعرضت لاستنزاف واسع خلال فترة الأزمة، «فخلال الأشهر الماضية اعتمدت الأسواق على السحب المكثف من المخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية لتعويض غياب أكثر من 11 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير المخصصة لصادرات المنتجات النفطية».

وقدرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات النفط العالمية بمعدل 8.5 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، وهو ما يدفع أسعار خام برنت إلى متوسط يقارب 106 دولارات للبرميل في مايو ويونيو

ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية خسرت المخزونات العالمية المرصودة من النفط في مايو أيار 143 مليون برميل، بعد أن خسرت 74 مليون برميل في أبريل نيسان، ما يعني أن متوسط معدل سحب المخزونات منذ بداية حرب إيران بلغ 3.8 مليون برميل يومياً، منها 2.4 مليون برميل نفط خام و1.4 مليون برميل منتجات نفطية.

وأضافت ماكنزي أنه مع اقتراب بعض المراكز التخزينية الرئيسية من حدودها التشغيلية الدنيا، بدأت الحكومات والمصافي حول العالم في التخطيط لإعادة بناء المخزونات فور استقرار الأوضاع.

وتشير وود ماكنزي إلى أن الصين ستكون من بين أكبر المشترين خلال المرحلة المقبلة لإعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية، كما ستسعى الحكومات إلى تعويض الكميات التي استخدمتها أثناء الأزمة، بينما ستعمل المصافي على إعادة تكوين مخزوناتها التشغيلية، «وبالتالي فإن كل برميل يتم شراؤه لإعادة بناء المخزون يمثل طلباً إضافياً جديداً في سوق لا تزال تعاني شحاً نسبياً في الإمدادات».

الطريق إلى التعافي لا يزال طويلاً

ورغم الإعلان عن إعادة فتح المضيق، فإن عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية لن تحدث بين ليلة وضحاها.

فبحسب وود ماكنزي لا تزال هناك عقبات تتعلق بثقة شركات الشحن وأطقم السفن وشركات التأمين في سلامة الملاحة عبر المضيق، كما أن عدداً كبيراً من الناقلات ما زال ينتظر إعادة التموضع والعودة إلى مساراته الطبيعية.

وتوضح المؤسسة أن حركة السفن عبر المضيق بدأت تتحسن بالفعل، إذ ارتفع عدد السفن العابرة يومياً إلى نحو 35 سفينة في بعض الأيام، لكنه لا يزال أقل بكثير من المستويات الطبيعية التي كانت سائدة قبل الحرب.

اتجاه هبوطي.. لكن ليس بسلاسة

وتتوقع وود ماكنزي أن يسلك النفط مساراً هبوطياً على المدى المتوسط، مع بلوغ متوسط سعر خام برنت نحو 92 دولاراً للبرميل خلال عام 2026، قبل أن يتراجع إلى نحو 78 دولاراً في عام 2027.

كما تتوقع المؤسسة أن يصل خام برنت إلى نحو 70 دولاراً للبرميل بحلول الربع الرابع من عام 2027، شريطة عودة العبور عبر مضيق هرمز إلى طبيعته خلال أغسطس المقبل.

لكن المؤسسة تحذر من أن الطريق نحو هذه المستويات لن يكون سلساً، إذ من المرجح أن تشهد السوق موجات متعاقبة من الارتفاع والانخفاض مع استمرار التنافس بين تعافي الإمدادات وإعادة بناء المخزونات وعودة الطلب العالمي للنمو.

التوازن قد لا يعود قبل 2027

ويتفق شعيب بوطمين مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن الوصول إلى توازن حقيقي بين العرض والطلب سيظل رهناً بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة وبمدى نجاح الاتفاق الحالي في الصمود بعد فترة الستين يوماً المقبلة.

ويضيف بوطمين أن الأزمة دفعت دول المنطقة إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب والموانئ المختلفة، وهو ما يمنح الأسواق مرونة أكبر مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

 

ويرى أن استمرار تشغيل هذه المسارات بالتوازي مع إعادة فتح مضيق هرمز قد يسمح بعودة التوازن تدريجياً بين العرض والطلب مع نهاية العام الحالي أو خلال الربع الأول من عام 2027، «وعندها فقط، وفق تقديره، يمكن أن تنخفض الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 60 و65 دولاراً للبرميل بصورة مستقرة ومستدامة».