انحلال العقد الاجتماعي في فلسطين: عندما تتحول التنمية من حق إلى انتظار
المؤشر 20-06-2026
أحمد القاضي - رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين
لا ينهار العقد الاجتماعي عندما تختلف الآراء السياسية، ولا عندما تواجه الدول أزمات عابرة، بل يبدأ بالانحلال عندما يفقد المواطن ثقته بأن مستقبله سيكون أفضل من حاضره، وعندما يشعر أن الالتزامات المفروضة عليه أكبر من الحقوق التي يحصل عليها.
في فلسطين، لا نتحدث اليوم عن مفهوم فلسفي أو نظرية سياسية، بل عن واقع يلمسه المواطن يومياً. فالعقد الاجتماعي هو الثقة التي تربط المواطن بمؤسسات الحكم، وهو القناعة بأن الدولة تعمل من أجل الإنسان، وتحمي حقوقه، وتوفر له الفرص، وتدير الموارد العامة بعدالة وشفافية. وعندما تتراجع هذه القناعة، تبدأ أخطر مراحل التآكل الوطني.
صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الكبرى عن تعطيل التنمية الفلسطينية واستنزاف الموارد الوطنية وفرض القيود على الاقتصاد والحركة والاستثمار، لكن الحقيقة التي يجب أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بها أن جزءاً من الأزمة أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتنا على إدارة شؤوننا الداخلية، وبمدى نجاح مؤسساتنا في الحفاظ على ثقة المواطنين والقطاع الخاص على حد سواء.
لقد أصبح المواطن الفلسطيني يعيش حالة من القلق الاقتصادي المستمر. فمعدلات البطالة مرتفعة، وفرص العمل محدودة، والاستثمارات تتراجع، والهجرة أصبحت خياراً يفكر فيه كثير من الشباب. وفي ظل هذه الظروف، تصبح التنمية الاقتصادية ليست مجرد برنامج حكومي، بل ضرورة وطنية لحماية الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على صمود المجتمع.
ومن موقعنا في قطاع المقاولات، يمكننا أن نرى بوضوح كيف ترتبط أزمة الثقة بأزمة التنمية. فالمقاول الفلسطيني ليس مجرد منفذ لمشروع إنشائي، بل شريك في بناء المدرسة والجامعة والمستشفى والطريق وشبكات المياه والكهرباء. وعندما يتراجع طرح العطاءات والمشاريع العامة، فإن الأمر لا ينعكس على شركات المقاولات وحدها، بل يمتد أثره إلى آلاف العمال والمهندسين والفنيين والموردين وأسرهم.
إن كل مشروع يتم طرحه يعني فرص عمل جديدة، ودوراناً للعجلة الاقتصادية، وحركة في الأسواق، وأملاً لعشرات العائلات. وفي المقابل، فإن غياب المشاريع أو تباطؤ تنفيذها أو تأخر صرف مستحقاتها يعني مزيداً من الركود ومزيداً من الضغوط الاقتصادية ومزيداً من فقدان الثقة بالمستقبل.
ومن هنا فإن أزمة قطاع الإنشاءات ليست أزمة قطاع مهني فقط، بل هي مؤشر على الحالة الاقتصادية العامة. فعندما ينشط قطاع المقاولات تنشط معه عشرات القطاعات الاقتصادية المرتبطة به، وعندما يتراجع، تتراجع معه قدرة الاقتصاد الوطني على النمو وخلق فرص العمل.
إن العقد الاجتماعي لا يقاس بعدد القوانين والقرارات الصادرة، وإنما بمدى قدرة المواطن على رؤية نتائج ملموسة في حياته اليومية. والمواطن الفلسطيني لا ينتظر المعجزات، بل ينتظر أن يرى مشاريع جديدة، وفرص عمل جديدة، وخططاً تنموية واضحة، ومؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها واحترام تعهداتها.
إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الفقر وحده، بل فقدان الأمل. فالفقر يمكن معالجته بخطط اقتصادية، أما فقدان الثقة فهو أزمة أعمق وأكثر خطورة. وعندما يشعر المواطن أن جهده لن يغير شيئاً، وأن الاستثمار محفوف بالمخاطر، وأن التنمية تسير ببطء شديد، فإن العقد الاجتماعي يبدأ بفقدان أحد أهم أركانه.
لهذا فإن إعادة بناء الثقة يجب أن تكون أولوية وطنية. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل من خلال سياسات عملية تقوم على تحريك الاقتصاد، وإطلاق المشاريع التنموية، وتسريع طرح العطاءات العامة، وتعزيز الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، وضمان الوفاء بالالتزامات المالية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والعدالة.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى إدارة أزماتها، بل إلى صناعة الأمل. ولا يمكن صناعة الأمل من دون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوياً من دون استثمار ومشاريع وتنمية، ولا تنمية مستدامة من دون ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
إن قوة الدولة لا تقاس بحجم سلطتها، بل بحجم الثقة التي تحظى بها. والثقة لا تُطلب من المواطنين، بل تُكتسب من خلال الإنجاز. وعندما يشعر المواطن أن التنمية تتحرك، وأن المشاريع تتقدم، وأن المؤسسات تفي بالتزاماتها، فإن العقد الاجتماعي يستعيد قوته، ويستعيد المجتمع ثقته بمستقبله.
فالتنمية ليست بنداً في الموازنة العامة، بل هي جوهر العقد الاجتماعي وأحد أهم شروط الاستقرار الوطني.



