مِنْ بِيْجَارْدِ إِلَى نِتَنْيَاهُو: أَرْوَاحُ الضَّحَايَا تَسْتَصْرِخُ الضَّمِيرَ الْعَالَمِيَّ
المؤشر 02-05-2026
د. محمد عودة
منذ اندلاع الثورة الجزائرية، ومن بين الجرائم الأكثر بشاعة التي ارتبطت بالبحر الأبيض المتوسط كمسرح لجريمة يندى لها الجبين، برز اسم الضابط الفرنسي مارسيل بيجارد كمخطط ومنفّذ لتلك الجريمة التي تُعد من أكثر فظاعات التعذيب والإخفاء القسري التي ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي. أما اسم “جمبري” فلم يكن مجرد صدفة أو وصف عابر، بل مستوحى من وضعية الجسد الذي ينكمش تحت ثقل الإسمنت، فتبدو الأرجل كذيل الجمبري، فيما يظل الضحية عاجزًا عن الحركة، قبل أن يُلقى به في البحر ليغرق صامتًا. هذا الأسلوب ابتكره وأشرف على تنفيذه مارسيل بيجارد كما أشرنا سالفًا، وإن كان ينكر تورطه المباشر، إلا أن شهادات كثيرة من المعنيين بالموضوع تقول العكس، مؤكدة أن وحداته مارست أشكالًا من العنف والإخفاء القسري لا تقل فظاعة عما يُروى عنه.
أما الآلية القاتلة فتكمن في إجبار المعتقل على وضع قدميه داخل قالب أو دلو معدني يُملأ بالإسمنت الرطب، ويُترك حتى يجف ويثبت ساقاه بشكل صارم. وعند اكتمال تثبيت الأرجل، يُنقل المعتقل إلى الساحل أو تُستخدم الطائرات والمروحيات، ثم يُلقى في البحر، ويضمن وزن الإسمنت أن يغرق فورًا دون أن يترك وراءه أي أثر. هذا الشكل من التعذيب لم يكن مجرد وسيلة لإجبار الضحايا على الاعتراف، بل وسيلة لإخفائهم تمامًا، ولتحويل الإعدام إلى عملية صامتة لا تُترك فيها أي جثث شاهدة على الفعل.
بالنسبة لعدد ضحايا هذه الآلية، فإن التقديرات تختلف حسب المصدر وطبيعة العمليات؛ فعدد الضحايا بين أسلوب جمبري وأساليب الإغراق الأخرى يُقدّر بعشرات آلاف الأشخاص، علمًا أن الإحصائيات المؤكدة تحدثت عن 11000 ضحية بأساليب الإغراق في كل الحالات. وتبقى هذه الأرقام تقريبية، لأنها تعتمد على شهادات وملاحظات شهود عيان، إذ لم تُسجّل القوات الفرنسية هذه العمليات رسميًا في الأرشيف.
في سياق الأسماء، نجد مارسيل بيجارد، رمز الأسلوب، الذي وُصف في روايات شهود عيان على أنه المشرف على وحداته أثناء ممارسة هذه التقنيات. ثم هناك بول أوساريس، ضابط استخبارات فرنسي اعترف علنًا باستخدام التعذيب والإعدام خارج القضاء، وجاك ماسو، قائد وحدة المظليين الفرنسية، الذي كانت وحدته تنفذ عمليات تعذيب واسعة أثناء معركة الجزائر (1957). وقد وثّق كل من لويزيت إيغيل أهريز وهنري أليغ تجربتهما الشخصية كضحايا، إضافة إلى توثيق معاناة السجناء داخل السجون الفرنسية، وموريس أودان، عالم رياضيات جزائري اختفى بعد اعتقاله ليصبح رمزًا لضحايا القمع.
إذا انتقلنا إلى فلسطين، نجد أن أنماط القمع تتكرر، وإن بتقنيات مختلفة. في السجون الإسرائيلية، مثل سجن سدي تيمان في صحراء النقب، تعرض أسرى فلسطينيون لتعذيب جسدي ونفسي شديد، كما تم توثيق حدوث اعتداءات جنسية على العديد من الأسرى. أبرز قضية حصلت بين أكتوبر ونوفمبر 2025 تتعلق بالمدعية العسكرية الإسرائيلية يفعات تومر-يروشالمي، التي قامت بفضح الانتهاكات داخل الجيش الإسرائيلي من خلال السماح بتسريب فيديو يُظهر اعتداء جنود إسرائيليين على أسرى فلسطينيين، مما أدى إلى استقالتها وفتح تحقيق جنائي. في الفيديو، وُثّق تعرض الأسرى لإصابات خطيرة، منها تمزق داخلي وكسر في الأضلاع، فيما أثار التسريب جدلًا واسعًا حول مسؤولية القيادة العسكرية والعدالة العسكرية الداخلية.
إضافة إلى ذلك، كشفت اعترافات الجنود الإسرائيليين في نوفمبر 2025 عن استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية أثناء الهجمات العسكرية، وعن انتهاكات جسدية ونفسية شديدة ضد المدنيين العزّل، بما يشمل الضرب المبرح، الإخفاء القسري، والاعتداءات المنظمة داخل المراكز العسكرية. هذه الشهادات تأتي لتدعم ما رُصد في قضية سدي تيمان، وتؤكد أن الانتهاكات ليست حادثة عابرة، بل جزء من نمط متكرر داخل المؤسسة العسكرية.
وفي السياق ذاته، تكشف شهادات نشرتها صحيفة هآرتس بتاريخ 17 نيسان/أبريل 2026 جانبًا آخر من هذه الممارسات، من خلال اعترافات لجنود تحدثوا عن إطلاق النار على مدنيين غير مسلحين، أو الوقوف صامتين أمام انتهاكات وسوء معاملة لأسرى، بل والمشاركة أحيانًا في سلوكيات مهينة تحت وطأة الانتقام أو ضغط الجماعة. وتُظهر هذه الروايات أن المسألة لا تتعلق فقط بالفعل الميداني، بل بما يخلّفه من صراع داخلي عميق، حيث وصف بعض الجنود أنفسهم بأنهم “وحوش”، وعجزوا عن مواجهة ذواتهم أو الاستمرار في حياتهم الطبيعية. ووفق ما نقلته الصحيفة عن خبراء، فإن هذه الظاهرة المعروفة بالإصابة الأخلاقية آخذة في الاتساع، ولا تقتصر آثارها على المقاتلين، بل تمتد إلى محيطهم الاجتماعي أيضًا
ولإضفاء بعد إنساني وواقعي أكبر، يجب الإشارة إلى حجم الخسائر المدنية في غزة خلال العدوان الأخير؛ فحسب تصريحات بعض القادة الإسرائيليين، وصل عدد الضحايا المدنيين إلى نحو 250,000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال. وإذا افترضنا أن نصفهم قضوا قتلى فعليًا، فإن عدد القتلى المدنيين وحدهم يتجاوز 125,000 شخص، وهو رقم يعكس بشاعة الهجمات وانتهاك حقوق المدنيين بشكل منهجي
كما في الجزائر، الأسماء هنا مهمة للتوثيق والذاكرة: المدعية العسكرية يفعات تومر-يروشالمي، الجنود المتورطون، ومركز التوقيف نفسه سدي تيمان، كلهم يمثلون عناصر أساسية لفهم الفظائع. كذلك، شهادات الضحايا الفلسطينيين وتقارير المنظمات الحقوقية كلها تساهم في رسم صورة كاملة عن المعاناة الإنسانية، تتحدث بعض شهادات الجنود عن قيام الجيش الإسرائيلي في فترات مختلفة بنقل أو تسليم أطفال فلسطينيين صغار إلى عائلات إسرائيلية لا تنجب
هناك تقارير وشهادات مختلفة، إلى جانب روايات إعلامية وحقوقية، تتعلق بقيام جنود وضباط إسرائيليين خلال العمليات الميدانية في الأراضي الفلسطينية بسرقة مقتنيات من بيوت الفلسطينيين الذين أُرغموا على النزوح، خاصة الأموال المنقولة والمصاغ الذهبي والتحف، وهذا ينطبق على الكثير من الحالات في الضفة الغربية عند مداهمة البيوت في الحملات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي.، وتشير التقارير إلى أن جزءًا من هذه الممتلكات قد تعرّض للتلف أو الفقدان أو النقل خارج إطار القانون، ولا يقتصر الموضوع في الضفة الغربية على الجيش، بل إن المستوطنين يسرقون كل شيء وبالأساس الأرض.
في شهادات حية، أفاد أفراد من الطواقم الصحية ومن الدفاع المدني بأن إسرائيل استخدمت أنواعًا من الأسلحة تؤدي، من بين أشياء أخرى، إلى تبخر الجثث في محيط انفجار تلك الأسلحة، وقد عزز هذه الرواية شهود عيان وفي أكثر من موقع، مما يعزز نظرية أن عدد المفقودين بالآلاف، سواء بهذه الأسلحة أو تحت الركام. تقول التقديرات إن هناك ما يزيد على سبعين مليون طن من الركام، فلنتخيل كم من الأرواح أُزهقت تحت هذا الركام ولا أحد يعرف عنها شيئًا.
رغم اختلاف السياق الزمني والجغرافي، فمن الواضح أن نتنياهو تفوق عشرات المرات على بيجارد سواء بالأساليب أو بالأعداد. نتنياهو، على عكس بيجارد، يتبجح ويستخدم نصوصًا تلمودية محرّفة ليبرر حجم القتل وممارسة التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني، بينما نفى بيجارد كل ما نُسب إليه. ولكي يكمل نتنياهو تحديه للقيم من جهة وللقانون الدولي من جهة أخرى، فقد سنّ عبر الكنيست قانونًا يقضي بالسماح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، متجاهلًا حتى وصايا الرب لسيدنا موسى عليه السلام. ليس هذا فحسب، بل إن نتنياهو مسؤول عن إزهاق حياة اليهود أيضًا عبر زجّهم في حروب لا طائل منها.
إن جنكيز خان، مقارنة بنتنياهو، يبدو حملًا وديعًا وشخصية مسالمة. أما نتنياهو، الذي لم يجد فرقًا بين رسول السلام السيد المسيح وجنكيز خان قاتل الملايين، فسيذكر التاريخ ولو بعد حين أنه تفوق على كل المجرمين عبر التاريخ. ولا يشبه نتنياهو إلا من قتل ملايين الهنود الحمر. ستبقى أرقام وأسماء ضحايا العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني محفورة في ذاكرة الإنسانية كدليل على إجرام الكيان الصهيوني غير المسبوق.



