مالكة أبو عكر…هي «أم سعد» حين خرجت من رواية كنفاني إلى الموقف الفلسطيني الجامع
المؤشر 17-1-2026
د.عدنان نعيم
ليست كل الشخصيات التي تصنع الذاكرة الوطنية قادةً أو منظّرين أو أصحاب منابر عالية. في فلسطين، كثيراً ما تتجسّد السلطة الأخلاقية في نساء صامتات، لا يطلبن موقعاً، لكنهنّ يصبحن مرجعاً حين يلتبس الموقف.
مالكة أبو عكر واحدة من هؤلاء. وهي، بمعنى عميق، أم سعد التي غادرت نص غسان كنفاني وسكنت الواقع الفلسطيني.
أمّية خارج المدرسة… مرجعية في الوعي
لم تذهب مالكة أبو عكر الى جامعة، لكنها كانت تكشف اُميِتنا الجامعية وتهدينا، حيث مستوى التفكير والنضج الوطني كان لديها اكبر وانضج من فئويتنا او تمترسنا وراء موقفنا الحزبية او قراءات الكتب الخالية من مجبول التجربةوالمعاناة ،بالضبط كما وصفها لي ذات مرة القائد الوطني الانسان صلاح عبد ربة ( جامعة وطنية قائمة بذاتها).
ولم تتعلّم القراءة والكتابة، لم تجلس على مقاعد فورباخ ونيتشة وسبينوزا ولينين وساطع الحصري، و حسين مروة، و لم تقرأ عن الوحدة وادوات الصراع والتحالفات ولم تطالع ل حسنين هيكل و المسيري و ادوارد سعيد و خالد الفاهوم، لكنها قطعاً كانت تفاجئنا وتلطم جهلنا الجامعي بعبارات تُعيدنا الى سراطنا الوطني المستقيم، ونصمت امامها بمحبة الام والاخت الكبرى والرفيقة للدرب وبنت المخيم والام فيه، و بدون منصب قيادي، كما غاندي (وطنية وحدوية موجه بلا منصب) كانت فصائل المخيم تختلف واحيانا تتشنج المواقف، كان لها موقف من كل شي، لكن دائما لم يخرج موقفها من عباءة موقف المخيم الجامع للمصلحة العامه، ذلك لانها امتلكت ذلك الوعي الذي تحدّث عنه كنفاني حين رسم شخصية أم سعد: وعي التجربة، ووعي من يدرك أن السياسة تُعاش أكثر مما تُدرَّس.كتب كنفاني:«أم سعد لا تفهم السياسة كما تُدرَّس، لكنها تفهمها كما تُعاش».
هكذا كانت مالكة أبو عكر(ام نضال): تعرف متى تصمت، ومتى يصبح الصمت موقفاً، ومتى تكون الكلمة عبئاً على الفعل.
الكتومة التي تحمي… والقوة التي لا تُرى.
كانت كتومة، حذِرة، يقِظة. تتفقد مخابئ المطاردين، تحفظ الأسرار، وتفهم بالفطرة أن التفاصيل الصغيرة قد تكون مسألة حياة أو اعتقال أو استشهاد. وابدا في كل الحالات والمراحل والظروف لم نرَها ضعيفة يوماً. حيث كانت قبل وفاتها تتوجع على ظروف اعتقال ابنها البكر نضال، قالت: وهي تحبس الدموع وقد بدا عليها الالم... ((طوول نضال بس بسيطه وصمتت) بالرغم من ذلك لم نرَها منكفئة. بل، كما يقول من رافقها — كانت أقوى منا جميعاً، وهنا تتقاطع مع وصف كنفاني لأم سعد: «إنها لا تقول شيئاً تقريباً، لكنها تفعل كل شيء».
حين يصبح البيت موقفاً وطنيا جامعا؛ ( في مخيم الدهيشه ،في الحارة الغربية ، طلعة دكانه مصطفى العلاري ابو ابراهيم ، قبال دار ابو مأمون اللحام حيث عاشت ام نضال ) كان مركزا وطنيا بلا اسم رسمي لمقر فإذا اختلفت الفصائل تلتقي هناك واذا أراد صحفي، أو وفد أجنبي، أن يفهم“موقف المخيم”،كان الجواب بسيطاً ومتكرراً: اذهبوا إلى أم نضال… مالكة أبو عكر.
وإذا جاء زوّار للمخيم، كان الفتحاوي قبل الجبهوي يُسمعنا النصيحة نفسها:
عليكم بها، فهي الرأي الجامع، والموقف الذي لا ينقسم.لم تكن تمثّل تنظيماً، بل تمثّل ضمير المكان.أمّ الشهيد والجريح والمطارد والأسرى… قدّمت مالكة أبو عكر، لكنها لم تتحوّل إلى رمز فصائلي، ولم تُختزل في لون سياسي.
لها مواقف حاسمة لا تقبل المساومة،في القضايا المركزية للصراع الفلسطيني:حق العودة، الحق في النضال، الوحدة الوطنية، هذه قضايا لم تدخل يوماً دائرة التفاوض في وعيها سلوكها اليومي،كما لم تدخل المساومة قاموس أم سعد عند كنفاني، حين كتب: «ابنها لم يكن بطلاً لأنها أرادت ذلك، بل لأنه لم يعرف طريقاً آخر».
من الخاص إلى العام
لم تتاجر مالكة أبو عكر بوجعها، لم تطلب ثمناً، ولم تحوّل الفقد إلى منصة. تحوّلت، بهدوء، من أمٍّ خاصة إلى أمٍّ عامة، ومن امرأة موجوعة لمرجعيةأخلاقية.وهذا تماماً ما فعله كنفاني حين جعل أم سعد ليست شخصية روائية،
بل حالة فلسطينية ممتدة، أمّاً لا تنجب ابناً واحداً، بل تساهم في ولادة جيل. ويجمع كل من التقى ب ام نضال بأنه:
إن كانت أم سعد قد علّمتنا في الأدب كيف تُنجب فلسطين مقاوميها،فإن مالكة أبو عكر علّمتنا في الواقع كيف يُصاغ الموقف، وكيف تُحمى البوصلة، وكيف تبقى الوحدة ممكنة حين يبدو الانقسام قدراً. و نُجمع ان ام نضال، لم تدخل جامعة، لكن المخيم كله بفصائله واختلافاته
كان أحد صفوفها المفتوحة؛ ففي فلسطين، ليست الأم مدرسة فقط، بل أحياناً… مرجعاً وطنياً لا يُستبدل.



