المساءلة المجتمعية: شراكة تبني الثقة، وتحوّل الإدارة المحلية إلى رافعة للتنمية والازدهار
المؤشر 03-1-2026
الكاتب: د. ربحي دولة
لم تعد البلديات في عالم اليوم مؤسسات خدمية تقليدية تقتصر أدوارها على تقديم الخدمات الأساسية فقط ، بل غدت فضاءات تنموية تشاركية تتقاطع فيها مسؤوليات الإدارة المحلية مع تطلعات المواطنين. وفي هذا السياق المتغير، تبرز المساءلة المجتمعية كأحد أهم أدوات التحول في العمل البلدي، وكعقد اجتماعي يعيد صياغة العلاقة بين البلدية والمجتمع على أساس الشراكة والثقة والمسؤولية المتبادلة.
تنطلق المساءلة المجتمعية من قناعة جوهرية بأن المواطن ليس متلقيًا للقرار، بل شريكًا في صناعته. فعندما يُمنح المجال للمواطن للمشاركة في التخطيط، ومناقشة الأولويات، وتقييم الأداء، يتحول من مراقب إلى فاعل، ومن ناقد إلى مساهم في الحل. وفي المقابل، تلتزم البلدية بالإفصاح عن مواردها المالية، وبنود الصرف، وآليات اتخاذ القرار، بما يعزز الشفافية ويخلق فهمًا مشتركًا للتحديات والإمكانات المتاحة.
هذا التفاعل المتوازن بين البلدية والمجتمع ينعكس مباشرة على جودة الأداء البلدي. فالخطط التي تُبنى على احتياجات الناس تكون أكثر واقعية وفاعلية، والموازنات التي تُناقش بشفافية تكون أكثر عدالة وكفاءة. كما أن الانفتاح على المجتمع يسهم في الحد من الهدر وسوء الإدارة، ويعزز النزاهة والمساءلة الداخلية، في الوقت الذي يشعر فيه المواطن بأن صوته مسموع ودوره مؤثر، فيزداد انتماؤه واستعداده للمحافظة على المرافق العامة ودعم المبادرات التنموية.
وتؤكد التجارب أن كل بلدية اختارت تفعيل المساءلة المجتمعية كأداة عمل حقيقية، وتمكنت من فتح قنوات الحوار مع المواطنين، وإشراكهم في تحديد الأولويات، والإفصاح عن سياساتها ومواردها، قد تميزت عن غيرها في مستوى أدائها وقربها من الناس. فقد أظهرت هذه البلديات قدرة أكبر على الاستجابة لاحتياجات مجتمعاتها، وبناء ثقة متبادلة مع المواطنين، وتحقيق انسجام بين الرؤية البلدية والتطلعات المجتمعية، الأمر الذي انعكس في خدمات أفضل، واستقرار إداري أعلى، ومشاريع أكثر استدامة.
ولا يكتمل هذا النموذج دون دور فاعل للمجتمع المدني، الذي يشكل حلقة وصل بين المواطن والبلدية. فمن خلال تنظيم الحوارات المجتمعية، وبناء القدرات، ومتابعة تنفيذ الخطط، وتقديم التغذية الراجعة، يسهم المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة المساءلة الإيجابية القائمة على التعاون والنقد البنّاء، بعيدًا عن الصدام أو الاتهام، وبما يخدم المصلحة العامة.
في المحصلة، تثبت المساءلة المجتمعية أنها ليست إجراءً شكليًا أو شعارًا عابرًا، بل مدخلًا حقيقيًا لتطوير أداء البلديات وبناء مجتمعات مزدهرة. فهي عقد اجتماعي يحدد بوضوح دور كل طرف تجاه مجتمعه، ويؤسس لشراكة تقوم على الشفافية والمشاركة والمسؤولية المشتركة. وكل بلدية تدرك قيمة هذه الأداة وتوظفها بصدق، تقترب أكثر من الناس، وتخطو بثبات نحو التميز والنجاح والتنمية المستدامة.
٠ كاتب وسياسي فلسطيني



