تعدد النعم والغفلة عن الشكر قد يضعف سعادة تحقيقها يسير

تعدد النعم والغفلة عن الشكر قد يضعف سعادة تحقيقها يسير

المؤشر 19-10-2026   

الكاتب: د. سهيل الأحمد

كثير من المعاني قد نغفل عنها ولا نقف على حقيقتها إلا إذا تحقق لدينا الوعي بمراجعة الذات ومحاسبة القلب ومراعاة المشاعر بإيجابية، وإذا تأمّل المرء حال ذلك في الحديث النبوي: "مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا"، فقد علم عمق المعاني وفهم مقاصد الكلمات في بيان حقيقة النعم وسعادة الحال والمقال، ففي الحديث ألفاظ عميقة تختصر حقيقة النعيم، وتردّ النفس إلى ما قد تغفل عنه في ظل زحام الحياة وانشغالات الناس، وهي بطبيعتها تذكرنا ألا نتطلع إلى ما في أيدي الناس، وألا تنسى ما في يديها وبينها من نعمٍ وخيرات تستحق الحمد وشكر المنعم، فإن كنت آمنًا في سِرْبِك، بلا خوف أو قلق وقد وجدت السكينة وتحققت فذلك فضل عظيم ونعيم لا يعرف قدره حق المعرفة إلا من فقد الأمن أو ذاق مرارة الخوف.

وإذا أصبح الإنسان معافًى في جسده، يمضي في حياته بقوة، ويتحرك فيها دون ألم يقيد المسير أو مرض يثقل الخطوات فقد حقق لنفسه نعمًا عظيمة، وإذا توفر للإنسان قوت يومه وتمكن من سد جوعه ومن يعول وكفيت حاجته واستعان بذلك على حياته ويومه فقد نال رزقًا عظيمًا يستحق الحمد، وفضلًا وكرمًا لا ينبغي أن يُقابل بالجحود أو الغفلة.

ومع كل هذا فكم من إنسان اجتمعت له هذه النعم، ثم ظلّ قلبه مشغولًا بما ينقصه، وعينه ممتدة إلى ما عند غيره، لا يهنأ بما يملك، ولا يستريح لما بين يديه، كأن السعادة لا تكتمل إلا بامتلاك المزيد، وكأن النعم التي يعيشها لا قيمة لها ما دامت هناك أمنيات لم تتحقق، وهنا يعلم أن طلب الخير والفضل والزيادة في الخير والصلاح لا يعد منقصة للمرء ولا عيبًا في فكره؛ بل المشكلة أن يغيب عن الانسان لذة الشكر على وجود النعم بين يديه، وأن يعلق الفكر والسلوك فيما لم ينل حتى ينسى نعم الله تعالى عليه وهذا هو العيب والخلل، لأن الدنيا ليست في كثرة ما تملك، بل في عظيم ما تنعم به، وفي حضور القلب ومعرفته قدر النعمة قبل أن فقدها.

والعاقل من حقق لنفسه السكينة والرضا وعلم أن العافية كنز، والأمن نعمة، والرزق كفاية، وأن اجتماع هذه الثلاثة في حال الإنسان ومقاله هو من أبواب الغنى التي لا يدرك حقيقتها إلا من أحسن النظر وعلق قلبه في جمال المنعم ورضي فعمل وتقدم وحقق لنفسه الطمأنينة التي تغيب عن حال كثير من الناس، وأنت أيها العاقل الواع إذا أصبحت آمنًا في سِرْبِك، معافًى في جسدك، عندك قوت يومك، فلا تجعل عينك أسيرة لما فاتك، ولا تجعل قلبك معلّقًا بما لم يُكتب لك، بل ابدأ يومك بحمد الله، واستقبل نعمته بالشكر، واسعَ في حياتك دون سخط، واطلب من فضله ما تريد دون أن تنسى فضله عليك، وتذكر أنه كم من نعمة تعيشها كل يوم، وتحسب أنها أمرًا عاديًّا، وهي عند غيرك من الأماني والآمال البعيدة...