بيتونيا حكاية مدينة وهوية وطن
المؤشر 12-07-2026
الكاتب: د. ربحي دولة
“حين تجتمع اصالة المكان مع تنوع الانسان تولد حكاية اسمها بيتونيا.”
بيتونيا، ليست مجرد مدينة على الخارطة الفلسطينية، بل هي حكاية مكان امتزج فيه التاريخ بالانسان، وتلاقت فيه الأصالة مع الحداثة، لتشكل نموذجاً لمدينة حافظت على هويتها الوطنية والاجتماعية عبر مختلف المراحل التي مرت بها فلسطين.
تعود جذور بيتونيا الى العهد الكنعاني، حيث كانت شاهدة على تعاقب الحضارات التي ازدهرت على ارض فلسطين. وعلى مر التاريخ احتلت مكانة مهمة في محيطها، وكانت مركزا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وظلت محافظة على حضورها ودورها رغم ما واجهته من تحديات وتحولات.
وما يميز بيتونيا أنها استطاعت بأن تجمع بين دفء القرية واتساع المدينة. فما زالت العلاقات الاجتماعية فيها تقوم على المحبة والتكافل وصلة الرحم، في الوقت الذي شهدت فيه تطورا عمرانيا جعلها واحدة من المدن الفلسطينية الحيوية، دون ان تفقد روحها الاصيلة.
وبرز الدور الوطني لبيتونيا في احلك الظروف التي مر بها الشعب الفلسطيني، فقد فتحت ابوابها وقلوب اهلها لمئات العائلات التي هجرتها نكبة الوطن وما تبعها من سياسات الاحتلال، وكانت الحاضنة لابناء قرى اللطرون الثلاث عمواس ويالو وبيت نوبا بعد تهجيرهم عام 1967، فوجدوا فيها امتدادا لوطنهم وبيئة تحفظ كرامتهم وانتماءهم.
ومع مرور السنوات اصبحت بيتونيا وجهة لابناء فلسطين من مختلف المدن والقرى، ممن اختاروها مكانا للسكن والعمل والاستقرار، فامتزجت فيها العائلات وتنوعت اصولها، لتشكل مجتمعا متماسكا يعكس صورة فلسطين بكل تنوعها. ولهذا لم يكن غريبا ان توصف بيتونيا بانها فلسطين المصغرة، حيث يجتمع فيها ابناء الوطن تحت مظلة واحدة تجمعهم الهوية والانتماء.
وخلال العقود الماضية لعبت البلديات المتعاقبة دورا مهما في تطوير المدينة رغم محدودية الموارد والقيود التي فرضها الاحتلال. فقد عملت على تحسين شبكة الطرق، وتوسيع المرافق العامة، وانشاء الحدائق والمتنزهات، والارتقاء بالخدمات البلدية، وتنظيم النمو العمراني، وتعزيز الشراكة مع مؤسسات المجتمع المحلي، بما يسهم في تحسين جودة الحياة والحفاظ على الطابع الحضاري للمدينة. وما زالت بعض المشاريع الحيوية، وفي مقدمتها مشروع الصرف الصحي، تمثل تحديا يحتاج الى جهود اضافية وامكانات اكبر لتحقيقه.
واليوم تواصل بيتونيا مسيرتها بثقة، مستندة الى تاريخها العريق، ووحدة مجتمعها، ووعي ابنائها، لتبقى مدينة تجمع ولا تفرق، وتحتضن ولا تقصي، وتحافظ على رسالتها الوطنية والانسانية. وستظل بيتونيا حكاية مدينة وهوية وطن، وواحدة من النماذج المشرقة التي تجسد قدرة الفلسطيني على البناء والتمسك بارضه وهويته رغم كل التحديات.



