كنوز تحت الركام… ماذا تبقى من معالم أثرية وتاريخية في غزة؟

كنوز تحت الركام… ماذا تبقى من معالم أثرية وتاريخية في غزة؟

المؤشر 05-07-2026   لم تكن غزة عبر تاريخها مجرد بقعة جغرافية على ساحل البحر المتوسط، بل كانت بوابة حضارات ومفترق طرق بين آسيا وأفريقيا، تعاقبت عليها الإمبراطوريات الكنعانية والمصرية واليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وعلى امتداد آلاف السنين، تركت تلك الحضارات بصماتها في عشرات المواقع الأثرية والمعالم التاريخية، التي شكلت ذاكرة المكان وهوية الإنسان الفلسطيني، لكن الحرب الأخيرة وما رافقها من دمار واسع النطاق، وضعت هذا الإرث الحضاري أمام أخطر تهديد يواجهه منذ قرون، إذ تعرضت مواقع أثرية ومبان تاريخية ومتاحف ومساجد وكنائس لأضرار جسيمة، فيما تحولت بعض المعالم التي صمدت مئات السنين إلى أكوام من الركام، ورغم حجم الخسائر، ما زالت غزة تحتفظ ببعض الكنوز التاريخية التي تقاوم النسيان، شاهدة على عمق تاريخها الحضاري 

جهود التوثيق

والحفاظ على ما تبقى

تخفي أنقاض غزة كنوزا تاريخية وحضارية لا تقدر بثمن، وبينما تستمر جهود التوثيق والحفاظ على ما تبقى من هذه المعالم، يبقى التراث الغزي شاهدا على تاريخ طويل من الحضارات التي مرت بالمدينة، وعلى أهمية حماية الإرث الثقافي والإنساني في أوقات النزاعات والحروب، فهناك العديد من المعالم التاريخية الممتدة لآلاف السنين لا تزال أجزاء منها باقية، بعد أن تعرضت للتدمير من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، فيما مسح عدد كبير من المعالم عن الوجود، ومن المعالم التي لا تزال أثارها باقية رغم ما أصابها من خراب:

دير القديس هيلاريون

الدير هو جوهرة التراث المسيحي في غزة، ويعد دير القديس هيلاريون المعروف باسم «تل أم عامر»، من أهم المواقع الأثرية في قطاع غزة وأقدمها، حيث يقع في منطقة النصيرات وسط القطاع، ويعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، حيث أسسه القديس هيلاريون الذي ينظر إليه بوصفه أحد رواد الحياة الرهبانية في فلسطين والشرق الأوسط، وقد أدرجته منظمة اليونيسكو عام 2024 على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث العالمي المعرض للخطر، ويضم الموقع بقايا كنائس متعاقبة وغرفا للرهبان، وحمامات، ومنشآت مائية، وأرضيات فسيفسائية نادرة، تعكس تطور العمارة البيزنطية في المنطقة، كما يمثل شاهدا فريدا على نشأة الرهبنة المسيحية وانتشارها في بلاد الشام، ورغم ما تعرض له الموقع من أخطار خلال السنوات الأخيرة، فإنه ما يزال أحد أبرز رموز التراث الفلسطيني في غزة.

قصر الباشا

يمثل قصر الباشا حكاية قرون من الحكم والتاريخ في قلب مدينة غزة القديمة، وما زال القصر أحد أبرز المعالم التاريخية التي تعود جذورها إلى العصر المملوكي، واقفا رغم القصف الذي طاله، حيث شيد القصر في عهد السلطان الظاهر بيبرس، ثم شهد إضافات معمارية خلال الحقبة العثمانية، وتحول عبر الزمن إلى مركز للحكم والإدارة ومقر للولاة المحليين. ويحمل القصر قيمة معمارية كبيرة، لما يجمعه من عناصر مملوكية وعثمانية نادرة، كما احتضن لاحقا متحفا للآثار وضم قطعا من مختلف العصور التاريخية التي مرت على فلسطين، إلا أن الأضرار التي لحقت به خلال الحرب الأخيرة أثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل هذا المعلم التاريخي الفريد.

ميناء أنثيدون

وهو المرفأ الذي ربط غزة بالعالم على شاطئ البحر شمال غرب مدينة غزة، حيث تقع بقايا ميناء أنثيدون الأثري، الذي يعد أول ميناء بحري معروف في فلسطين قبالة ساحل مخيم الشاطئ، وازدهر الميناء خلال العصرين اليوناني والروماني، وشكل مركزا تجاريا مهما، ربط غزة بموانئ البحر المتوسط، وقد كشفت أعمال التنقيب عن أجزاء من منشآت معمارية وأرصفة ومقتنيات أثرية، تؤكد الدور التجاري والحضاري الذي لعبته المدينة عبر العصور، ورغم محدودية ما تم اكتشافه مقارنة بحجم الموقع الأصلي، فإن أنثيدون يظل شاهدا على المكانة الاقتصادية التي تمتعت بها غزة في العالم القديم.

المدينة القديمة في غزة

وهي ذاكرة الحجر والبشر، وتضم البلدة القديمة في غزة شبكة من الأزقة والأسواق والمباني التاريخية التي تعود إلى فترات إسلامية مختلفة، وخاصة العصرين المملوكي والعثماني، وقد احتضنت هذه المنطقة عشرات البيوت التراثية والخانات والمساجد والمدارس التاريخية، التي شكلت قلب الحياة المدنية في المدينة، وتعد الأسواق القديمة بما فيها سوق القيسارية، من أبرز الشواهد على النشاط التجاري والثقافي الذي عرفته غزة عبر القرون، إلا أن أجزاء واسعة من هذه المنطقة تعرضت لأضرار جسيمة، ما يهدد بفقدان جانب مهم من الذاكرة العمرانية الفلسطينية، التي لا طالما كانت مقصدا للزوار من مختلف العالم، لما تضمه المدينة من معالم قديمة، ومشاهدة على حضارات سكنتها منذ آلاف السنين، ومن أبرز تلك المعالم المسجد العمري، مقبرة الإنكليز، بيت ستى، حمام السمرا الذي يعد آخر الحمامات التي كانت باقية في غزة ويعود إلى العهد العثماني، لكن القصف الذي طاله أخفى الكثير من معالمه الأثرية الأصلية.

المساجد والتلال والكنائس التاريخية

تحتضن غزة مجموعة من أقدم دور العبادة في فلسطين، من أبرزها المسجد العمري الكبير الذي شيد فوق مواقع تعود لعصور مختلفة، وكنيسة القديس برفيريوس التي تعد من أقدم الكنائس العاملة في العالم، وتل السكن الذي يمثل أحد أقدم المواقع الأثرية المكتشفة في القطاع، ويعود تاريخه إلى العصر البرونزي المبكر قبل أكثر من أربعة آلاف عام، وقد كشفت الحفريات عن وجود تحصينات ومباني إدارية تدل على وجود مدينة متطورة كانت تؤدي دورا مهما في المنطقة وشكلت هذه المعالم رموزا للتنوع الديني والثقافي، الذي ميز المدينة عبر تاريخها الطويل، إلا أن العديد منها تعرض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة خلال العمليات العسكرية الأخيرة، ما أثار قلق المؤسسات الثقافية الدولية بشأن مصيرها.

المتاحف والمقتنيات الأثري

إلى جانب المواقع المفتوحة، احتضنت غزة متاحف ومجموعات أثرية خاصة، ضمت آلاف القطع التي توثق تعاقب الحضارات على أرض فلسطين، وتشمل هذه المقتنيات تماثيل وأواني مصنوعة من الفخار وعملات ومجوهرات، وأدوات تعود إلى العصور الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ومع تدمير أو تضرر عدد من المؤسسات الثقافية، يواجه جزء من هذا التراث خطر الضياع أو التلف، الأمر الذي يضاعف الحاجة إلى جهود دولية لحمايته وتوثيقه، ويزداد القلق مع تدهور الأوضاع الأمنية وغياب الأمن والجهات المختصة، وهذا ساعد الكثير من اللصوص على سرقة القطع الأثرية.

تاريخ إنساني غني ومتنوع

يقول أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور يوسف عمر، تعد غزة واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، إذ تعاقبت عليها حضارات متعددة على مدى آلاف السنين، مما جعلها شاهدا حيا على تاريخ إنساني غني ومتنوع، ورغم ما تعرضت له المدينة من حروب وصراعات ودمار خلال العقود الأخيرة، لا تزال آثارها ومعالمها التاريخية تروي قصة حضارات ازدهرت على أرضها وتركت بصماتها الواضحة في مختلف أنحاء القطاع.

وأشار في حديثه لـ«القدس العربي»، إلى أن تضرر هذه المواقع يمثل خسارة ثقافية لا تقتصر على سكان غزة فحسب، بل تمتد إلى التراث الإنساني العالمي، لأن هذه الآثار توثق مراحل مهمة من تاريخ المنطقة، وتفاعل الحضارات المختلفة فيها، كما أسهمت في تشكيل هوية المدينة ومكانتها التاريخية، وفقدان هذه المواقع، يحرم الأجيال القادمة من التعرف على تاريخها وتراثها الثقافي.

ولفت إلى أنه ورغم التحديات الكبيرة، يواصل الباحثون والمؤسسات الثقافية والأثرية جهودهم لحماية ما تبقى من المواقع التاريخية، وتشمل هذه الجهود توثيق المعالم الأثرية، وإجراء عمليات ترميم عند الإمكان، ونشر الوعي بأهمية التراث الثقافي بين الأجيال الجديدة، كما تدعو العديد من الجهات الدولية إلى توفير الحماية للمواقع الأثرية في مناطق النزاع، باعتبارها جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة، التي يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة. وبين أن تحت ركام غزة ترقد طبقات من التاريخ تعود إلى آلاف السنين، وقد تعرض عدد كبير من المواقع الأثرية والتاريخية لأضرار جسيمة أو دمار كامل خلال الحرب، موضحا أن هناك أكثر من 100 موقع أثري وتاريخي دمر بشكل كلي أو جزئي، في حين هناك المئات من المعالم اختلطت مع ركام المباني السكنية ولم يبق لها أثر.

ولا تقتصر خسارة المواقع الأثرية على فقدان أحجار أو مباني قديمة، بل تمتد إلى ضياع صفحات كاملة من تاريخ الشعوب وذاكرتها الجماعية، فكل موقع أثري في غزة يروي قصة حضارة مرت من هنا، وكل حجر يحمل شهادة على آلاف السنين من التفاعل الإنساني والثقافي، ورغم الدمار الذي طال الكثير من المعالم، فإن ما تبقى منها لا يزال يمثل إرثا حضاريا عالميا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ويستحق الحماية والترميم والحفاظ عليه للأجيال القادمة. وبين الركام الذي غطى أجزاء واسعة من قطاع غزة، ما زالت آثار الحضارات القديمة تقاوم الزمن والحروب، فدير القديس هيلاريون، وقصر الباشا، وميناء أنثيدون، والمدينة القديمة، وغيرها من المواقع التاريخية، ليست مجرد معالم أثرية، بل صفحات حية من تاريخ فلسطين، وبينما تستمر التحديات، يبقى الأمل معقودا على إنقاذ ما تبقى من هذه الكنوز، حتى تظل شاهدة على هوية غزة العريقة، وعمقها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.