حين تستطيع دولة أخرى تجميد 70% من إيراداتك… هل تملك فعلاً اقتصاداً مستقلاً؟
المؤشر 07-06-2026
احتجاز المقاصة يعيد طرح السؤال الأصعب: هل آن الأوان لفلسطين لبناء أدواتها المالية السيادية؟
بقلم: إياد مصطفى (باحث اقتصادي).
حين تستطيع جهة خارجية تعطيل الجزء الأكبر من إيراداتك العامة بقرار سياسي، فأنت لا تواجه أزمة مالية عابرة، بل حالة اقتصاد ناقص السيادة.
هذا ما تعكسه بوضوح أزمة أموال المقاصة الفلسطينية، التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من ملف مالي تقني إلى أداة ضغط استراتيجية تمس جوهر الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني.
فكل مرة تتأخر فيها تحويلات المقاصة أو تُحتجز جزئياً، تتكرر نفس الحلقة: أزمة سيولة، تأخر رواتب، توسع العجز المالي، ارتفاع الدين العام، وتراجع الإنفاق التنموي. لكن الأخطر أن الاقتصاد الفلسطيني يبدو وكأنه يعيد إنتاج هذه الأزمة دون امتلاك أدوات حقيقية لكسرها.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أموال المقاصة تشكل ما بين 60% إلى 70% من الإيرادات العامة الفلسطينية، أي ما يقارب ملياري دولار سنوياً. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من قدرة الدولة المالية مرتبط بمنظومة خارج سيادتها المباشرة، ما يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات السياسية بشكل مستمر.
هنا لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بـ متى يتم تحويل الأموال؟، بل يتحول إلى سؤال أعمق كيف يمكن للاقتصاد الفلسطيني أن يقلل اعتماده على مصدر إيراد يمكن تعطيله خارجياً في أي لحظة؟
اقتصاد بلا سيادة نقدية كاملة
لفهم أزمة المقاصة، لا يمكن فصلها عن الإطار البنيوي الأوسع الذي يحكم الاقتصاد الفلسطيني، والمتمثل في بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994.
ورغم أنه وُصف حينها بأنه اتفاق انتقالي، إلا أنه أصبح الإطار الفعلي الذي ينظم العلاقة الاقتصادية، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على المعابر والحدود والجمارك وتدفقات السلع، إضافة إلى المجال النقدي وحركة التجارة الخارجية.
في المقابل، لا تمتلك فلسطين عملة وطنية مستقلة، ولا سياسة نقدية مكتملة، ولا قدرة كاملة على التحكم بالتجارة الخارجية أو التدفقات المالية.
هذا الوضع يجعل الاقتصاد الفلسطيني يعمل ضمن بيئة غير مكتملة السيادة، حيث تتأثر الإيرادات والإنفاق والقطاع الخاص بعوامل سياسية وأمنية خارجية بشكل مباشر.
ويشير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس إلى أن هذا الإطار ساهم في تكريس تبعية هيكلية حدّت من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على بناء قاعدة إنتاجية مستقلة أو تقليل اعتماده على الاقتصاد الإسرائيلي.
لكن هذه الحقيقة تقود إلى سؤال أكثر إلحاحاً إذا كانت البنية الحالية تفرض قيوداً هيكلية، فهل يمكن بناء أدوات مالية موازية تخفف هذا الاعتماد تدريجياً؟
هل يمكن تحويل الشتات إلى قوة مالية منظمة؟
يمتلك الفلسطينيون في الخارج حضوراً ديموغرافياً واسعاً، وثروات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، إلا أن هذا المورد الاقتصادي الضخم لا يزال غير مُفعّل ضمن إطار مؤسسي منظم يخدم الاقتصاد المحلي.
من هنا تظهر فكرة (صندوق استثمار الشتات الفلسطيني) بوصفه أداة محتملة لتحويل رأس المال المهاجر من مورد فردي إلى قوة مالية جماعية منظمة.
لكن الأهم ليس الفكرة بحد ذاتها، بل السؤال العملي: ماذا لو نجحت فلسطين في تعبئة مليار دولار فقط عبر هذا الصندوق خلال عدة سنوات؟
وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 18 إلى 20 مليار دولار سنوياً. وبالتالي فإن ضخ مليار دولار استثماري يعادل نحو 5% من حجم الاقتصاد، وهو رقم قادر على إحداث أثر ملموس إذا وُجه نحو قطاعات إنتاجية وليس استهلاكية.
الأثر المحتمل: من السيولة إلى النمو
لا تكمن أهمية هذه الأموال في حجمها فقط، بل في طبيعة استخدامها. فالتجارب التنموية تشير إلى أن الاستثمار الإنتاجي في الاقتصادات النامية يمكن أن يولد أثراً مضاعفاً يتراوح بين 1.3 و1.8 مرة.
بناءً على ذلك، فإن استثمار مليار دولار قد يرفع النشاط الاقتصادي الفلسطيني بما يتراوح بين 1.3 إلى 1.8 مليار دولار إضافية خلال دورة اقتصادية واحدة، مع انعكاسات محتملة على:
رفع الناتج المحلي بنسبة قد تصل إلى 6% إلى 9%.
خلق عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
زيادة الإيرادات الضريبية المحلية.
تخفيف الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل.
لكن هذا السيناريو يظل مشروطاً بوجود بيئة استثمارية مستقرة نسبياً، وهو ما يمثل التحدي الأساسي في الحالة الفلسطينية.
أين يجب أن يذهب الاستثمار؟
نجاح أي صندوق سيادي لا يعتمد على حجم الأموال فقط، بل على جودة توزيعها. ويمكن تحديد خمسة قطاعات رئيسية ذات أولوية:
الطاقة المتجددة
استثمار ما يقارب 300 مليون دولار في الطاقة الشمسية قد يقلل تدريجياً من فاتورة استيراد الكهرباء ويعزز أمن الطاقة.
التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي
تخصيص 200 مليون دولار لقطاع التكنولوجيا قد يخلق اقتصاداً أقل ارتباطاً بالقيود الجغرافية، وأكثر قدرة على الاندماج العالمي.
الزراعة والأمن الغذائي
150 مليون دولار في الزراعة الحديثة يمكن أن يخفف من هشاشة الأمن الغذائي ويقلل الاعتماد على الاستيراد.
الصناعة والمناطق الإنتاجية
200 مليون دولار لدعم المناطق الصناعية يمكن أن يعزز الصادرات ويزيد فرص العمل.
البنية التحتية والإسكان
150 مليون دولار يمكن أن تحرك قطاعات متعددة مرتبطة بالاقتصاد المحلي.
لماذا تنجح بعض التجارب وتتعثر أخرى؟
تقدم تجارب دول مثل إسرائيل والهند نماذج مهمة لفهم دور الشتات في التمويل السيادي.
إسرائيل، عبر برنامج Israel Bonds، استطاعت منذ خمسينيات القرن الماضي تعبئة مليارات الدولارات من الجاليات اليهودية حول العالم، ونجحت خلال الحرب الأخيرة في جمع أكثر من 3.5 مليار دولار خلال فترة قصيرة.
الهند بدورها استخدمت أدوات مشابهة خلال أزمات ميزان المدفوعات في التسعينيات لتعزيز احتياطاتها الأجنبية واستقرارها المالي.
لكن نجاح هذه النماذج لم يكن نتيجة الانتماء فقط، بل استند إلى ثلاثة عناصر رئيسية: مؤسسات قوية، ثقة مالية، وإطار قانوني واضح يحمي المستثمرين.
وهنا يكمن التحدي الفلسطيني الأساسي: ليس في القدرة على جذب الأموال، بل في القدرة على بناء ثقة مستدامة حول هذه الأدوات.
الصكوك والسندات: هل تشكل بديلاً عملياً؟
إلى جانب صندوق الشتات، تبرز الصكوك الاستثمارية والسندات الوطنية كأدوات تمويل محتملة.
فالصكوك، باعتبارها أدوات تمويل إسلامية قائمة على الأصول، يمكن أن تموّل مشاريع بنية تحتية وطاقة ومياه وتعليم. ولو تم إصدار صكوك بقيمة 500 مليون دولار، يمكن توجيهها نحو مشاريع إنتاجية ذات عائد اقتصادي متوسط بين 6% و8%.
كما يمكن إطلاق “سندات صمود وطنية” تستهدف الفلسطينيين في الداخل والخارج، بقيمة قد تصل إلى 300 مليون دولار، لتمويل مشاريع تنموية أو سد فجوات مالية مؤقتة.
لكن جميع هذه الأدوات تواجه سؤالاً محورياً: من يضمنها في اقتصاد لا يمتلك سيادة نقدية كاملة؟
هل تكفي الأدوات المالية دون إصلاح مؤسسي؟
الواقع يشير إلى أن أي أدوات تمويل سيادية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن بيئة مؤسسية قوية. فبدون:
حوكمة شفافة
إدارة مستقلة
رقابة مالية صارمة
وضمانات قانونية واضحة
قد تتحول هذه الأدوات من فرصة تنموية إلى عبء جديد.
وبالتالي، فإن بناء أدوات مالية سيادية يتطلب قبل كل شيء بناء الثقة، داخلياً وخارجياً.
نحو عقد اقتصادي جديد أم إعادة إنتاج الأزمة؟
إذا نجحت فلسطين خلال السنوات القادمة في تعبئة ما يقارب 1.8 مليار دولار من خلال أدوات متعددة تشمل صندوق الشتات والصكوك والسندات، فإن الاقتصاد الفلسطيني قد ينتقل تدريجياً من نموذج يعتمد على التحويلات الخارجية والمقاصة، إلى نموذج أكثر تنوعاً في مصادر التمويل.
لكن هذا التحول لن يكون لحظياً، بل تدريجياً ومشروطاً.
فحتى في أفضل السيناريوهات، لن تختفي أزمة المقاصة، لكنها قد تفقد جزءاً من تأثيرها الحاسم على الاستقرار المالي.
وهنا تكمن الفكرة المركزية: ليس المطلوب إلغاء التبعية فوراً، بل تقليل القدرة على تعطيل الاقتصاد من خلالها.
وفي الختام فإن الخطر الحقيقي على الاقتصاد الفلسطيني لا يكمن فقط في احتجاز أموال المقاصة، بل في استمرار غياب البدائل القادرة على تقليل هذا الارتهان البنيوي.
فاقتصاد يعتمد بشكل كبير على مصدر إيراد يمكن تعطيله سياسياً، هو اقتصاد يعيش حالة هشاشة دائمة مهما بدت أرقامه مستقرة مؤقتاً.
وبالتالي، ربما لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن لفلسطين بناء أدواتها المالية السيادية؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً أصبح: كم من الأزمات يجب أن تتكرر قبل أن تبدأ فعلياً في بنائها؟



