الطالب لم يعد المشكلة… أزمة التقييم في زمن الذكاء الاصطناعي

الطالب لم يعد المشكلة… أزمة التقييم في زمن الذكاء الاصطناعي

المؤشر 02-05-2026   

الكاتب: الدكتور علي زهدي شقور

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم ترفاً فكرياً أو جدلاً تقنياً بين متخصصين في المجال، بل تحوّل إلى قضية تمسّ جوهر العدالة التعليمية ومصداقية الشهادات الأكاديمية. ما يحدث اليوم في الجامعات والمدارس ليس مجرد تطور في أدوات التعلم، بل إعادة تشكيل صامتة لقواعد اللعبة: من ينجح؟ وكيف نُثبت أنه تعلّم فعلاً؟

في بدايات جائحة كورونا، عندما أُجبرت المؤسسات التعليمية على الانتقال المفاجئ إلى التعليم عن بعد، ظهرت أولى الشقوق في نظام التقييم. اختبارات إلكترونية تُجرى من خلف الشاشات، دون رقابة حقيقية، ونتائج لا تعكس بالضرورة مستوى الفهم. حينها، كان واضحاً أن الاعتماد على “المنتج النهائي” وحده—أي الإجابة المكتوبة—لم يعد كافياً للحكم على تعلم الطالب. من هنا برزت فكرة التقييم الوجاهي عن بعد: أن تُقابل الطالب، حتى لو عبر الشاشة، وتطرح عليه أسئلة تُجبره على التفكير، لا على الاسترجاع. أسئلة من نوع: كيف وصلت إلى هذا الحل؟ ولماذا اخترت هذا الرأي؟ وما تفسيرك لما كتبت؟

لم يعد مفهوم “الغش” كما عرفناه صالحاً لوصف ما يحدث اليوم في بيئات التعلم. فمع ظهور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، انتقلنا من غشٍ يقوم على النقل أو النسخ المباشر إلى واقع أكثر تعقيداً، حيث يمكن للطالب أن ينتج نصوصاً وأفكاراً كاملة بمساعدة أدوات ذكية، دون أن يكون واضحاً أين ينتهي دوره وأين يبدأ دور الآلة. هذا التحول لم يلغِ الغش بقدر ما أعاد تعريفه؛ فلم يعد الانتهاك مرتبطاً بالفعل الظاهر (كالنسخ)، بل أصبح مرتبطاً بعمق المشاركة الفكرية للطالب في ما يقدمه. وهنا لم يعد السؤال التربوي: هل غشّ الطالب؟ بل أصبح: إلى أي حد يعكس هذا العمل تفكيره الحقيقي؟ وهل استخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تعلّم، أم كبديل عن التعلم نفسه؟

الصدمة الحقيقية لم تأتِ من الطلبة، بل من الأدوات التي كنا نظن أنها ستنقذنا. فحتى أنظمة الكشف عن الانتحال، وعلى رأسها Turnitin، بدأت تعترف—ضمنياً وصراحة—بأن منطق “الكشف” لم يعد كافياً. تقارير حديثة للشركة نفسها تشير إلى أن المؤسسات التعليمية لم تعد مهتمة فقط بمعرفة ما إذا كان الطالب استخدم الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت تطالب بفهم “كيف” و“لماذا” استخدمه. هذا التحول ليس تقنياً، بل فلسفي: من عقلية الشرطي الذي يبحث عن المخالفة، إلى عقلية المربي الذي يحاول فهم مسار التعلم.

وفي هذا السياق، تؤكد أحدث توجهات UNESCO (2024–2025) أن محاولة منع الذكاء الاصطناعي لم تعد واقعية ولا تربوية، وأن المطلوب هو بناء ثقافة استخدام مسؤول، يكون فيها الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التفكير لا بديلاً عنه. لكن هذه الدعوات، رغم أهميتها، تظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى تغيير جذري في آليات التقييم نفسها.

المشكلة أن كثيراً من المؤسسات التعليمية لا تزال تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بعقلية الأمس: تشديد الرقابة، تحديث أدوات الكشف، وإصدار تعليمات تحذيرية للطلبة. لكن هذه المقاربة، بكل صراحة، تشبه محاولة منع المدّ بوسائل بدائية. فالطالب اليوم يمتلك أدوات قادرة على إنتاج نصوص وتحليلات في ثوانٍ، وغالباً بجودة تفوق المتوسط. فهل سنستمر في مطاردة النص، أم سننتقل إلى مساءلة العقل الذي يفترض أنه أنتجه؟

الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها هي أن “المنتج المكتوب” فقد جزءاً كبيراً من قيمته كمؤشر على التعلم. لم يعد كافياً أن يقدّم الطالب بحثاً متقناً أو إجابة نموذجية، لأن السؤال الأهم أصبح: هل يستطيع الدفاع عنها؟ هل يفهمها بعمق؟ هل يمكنه إعادة إنتاجها بلغة مختلفة، أو تطبيقها في سياق جديد؟

هنا تحديداً، يعود التقييم الوجاهي—ولو عبر أدوات رقمية—كخيار ليس بديلاً، بل ضرورة. ليس لأنه يمنع استخدام الذكاء الاصطناعي، بل لأنه يكشف حدود هذا الاستخدام. في لحظة الحوار المباشر، لا يمكن للطالب أن يختبئ خلف نص مُولَّد، بل يُجبر على التفاعل، والتفسير، والتبرير. هذه اللحظة هي التي تعيد التوازن بين الإنسان والتقنية.

لكن الحل لا يكمن في استبدال شكل بآخر، بل في إعادة بناء منظومة التقييم بالكامل على أساس جديد. ويمكن تلخيص هذا الأساس في ثلاث خطوات عملية قابلة للتطبيق:

أولاً، اعتماد نموذج “التقييم المزدوج”، بحيث تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في التقييمات التكوينية (المهام والواجبات)، مع الإقرار بذلك بشكل صريح، مقابل تخصيص جزء من التقييم النهائي لمقابلات فردية أو مناقشات شفوية قصيرة تُجرى حضورياً أو عبر الإنترنت. هذا النموذج لا يعاقب الطالب على استخدام التقنية، بل يُلزمه بفهم ما أنتجه.

ثانياً، إعادة تصميم الأسئلة نفسها، بحيث تنتقل من قياس “ماذا يعرف الطالب؟” إلى “كيف يفكر؟”. أسئلة التفسير، المقارنة، النقد، والتطبيق في سياقات جديدة، هي الأسئلة التي يصعب على الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محل الطالب فيها بشكل كامل، خاصة عند مناقشتها مباشرة.

ثالثاً، إدماج مبدأ “الشفافية الأكاديمية” في التقييم، بحيث يُطلب من الطالب توضيح كيفية استخدامه للذكاء الاصطناعي: أين استخدمه؟ ولماذا؟ وما الذي أضافه بنفسه؟ هذا لا يحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة غش، بل إلى موضوع تعلم بحد ذاته.

إن الإصرار على التعامل مع الذكاء الاصطناعي كعدو يجب منعه، هو تجاهل لحقيقة أنه أصبح جزءاً من البيئة التعليمية، مثل الإنترنت من قبله. والتحدي الحقيقي ليس في إيقافه، بل في إعادة تعريف ما يعنيه أن “يتعلم” الطالب في حضوره.

ربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه اليوم هو أن التقييم، كما صُمم في عصر الورقة والقلم، لم يعد صالحاً لعصر الخوارزميات. وأن بعض الحلول التي وُلدت في زمن الأزمة—مثل التقييم الوجاهي عن بعد—لم تكن مجرد استجابة طارئة، بل كانت مؤشراً على الاتجاه الذي يجب أن نسير فيه.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من الدخول إلى التعليم؟

بل: كيف نعيد تصميم التعليم بحيث لا يفقد الإنسان دوره فيه؟

غير أن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تُصاغ بقرار فردي، ولا أن تُختزل في رأي مسؤول أو جهة واحدة، مهما بلغت خبرتها. فالقضية بطبيعتها مركّبة، تتقاطع فيها أبعاد تربوية وتقنية وأخلاقية وقانونية، ما يجعل معالجتها تتطلب حواراً مؤسسياً واسعاً يضم المعلم، والباحث، وخبير القياس والتقويم، ومصمم المناهج، والمتخصص في الذكاء الاصطناعي، وصانع القرار. إن التجارب أثبتت أن مثل هذا النهج التشاركي، عندما يُطبَّق داخل مؤسسة واحدة، يفضي إلى حلول أكثر توازناً وفاعلية. فكيف سيكون أثره إذا ارتقى إلى مستوى الدولة بأكملها؟ إننا هنا لا نتحدث عن تحسين إجراء، بل عن إعادة تشكيل منظومة تعليمية كاملة.

ويزداد هذا الطرح إلحاحاً في السياق الفلسطيني، حيث لم يعد التعليم—منذ ما بعد جائحة كورونا وحتى اليوم—يتمتع بالانتظام والاستقرار الذي يسمح بالاعتماد الكامل على النمط الوجاهي. فجداول التعليم بين الحضوري وعن بعد لم تعد تتغير شهرياً أو أسبوعياً، بل في أحيان كثيرة بشكل يومي، تبعاً لظروف يعرفها الجميع. هذا الواقع يفرض علينا، لا من باب الترف بل من باب الضرورة، أن نتعامل مع التعليم عن بعد بوصفه خياراً أصيلاً لا بديلاً مؤقتاً، وأن نُعد له إعداداً تربوياً وتقنياً وتقييماً متكاملاً يضمن جودته ومصداقيته. وفي الوقت ذاته، يجب أن تبقى الرؤية واضحة: أن يعود التعليم الوجاهي، حين تستقر الظروف، إلى موقعه الطبيعي كمرتكز أساسي، ويكون التعليم عن بعد داعماً له لا بديلاً عنه.

لذلك، فإن القرارات المصيرية من هذا النوع لا ينبغي أن تُترك للاجتهادات الفردية أو المبادرات المتفرقة، بل يجب أن تُصاغ ضمن رؤية وطنية جامعة، تستند إلى خبرات جميع المؤسسات التعليمية والبحثية، وتُشرك أصحاب الشأن من مختلف التخصصات. عندها فقط يمكن الوصول إلى إجابات مقنعة، وسياسات قابلة للتطبيق، قادرة على حماية مصداقية التعليم، ومواكبة تحولات العصر، والاستجابة بمرونة لخصوصية واقعنا، حتى يكتب الله لبلادنا الأمن والاستقرار، ويستعيد التعليم انتظامه المنشود.