اجتذاب تركيا وباكستان إلى المنظومة العربية

اجتذاب تركيا وباكستان إلى المنظومة العربية

المؤشر 25-04-2026   خلال أول زيارة له إلى دول الخليج العربي، عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وتواتر الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة، دعا وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إلى إحياء معاهدة الدفاع العربي المشترك، على سبيل تنظيم الردّ العربي وتوحيده في مواجهة الحروب الإسرائيلية والاعتداءات الإيرانية. لقيت الدعوة القليل من التفاعل، ذلك أنّ معاهدة الدفاع التي أطلقتها جامعة الدول العربية في العام 1950 تقادم عهدها، ولم يسبق أن أظهرت الدول الأعضاء تمسكًا بها، وإن كان تاريخنا الحديث قد شهد مظاهر دفاعية مشتركة خلال حربي 1967 و1973، بصرف النظر عن مستوى هذه التشاركية ونجاعتها. وقبل ذلك، كانت هناك وقفة عربية ذات طابع دفاعي مع الكويت عقب تهديدات الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في عام 1961 بضمّها إلى بلاده، عشية استقلال الكويت، حين حلّت قوات عربية من مصر والأردن والسعودية والسودان، إلى جانب قوات بريطانية، في أراضي الدولة الخليجية. وبعد نحو ثلاثة عقود شاركت قوات عربية من مصر وسورية إلى جانب قوات من دول الخليج في حرب الخليج الثانية، حرب تحرير الكويت، وبقيادة أميركية.

تستحيل العودة إلى أجواء مطلع خمسينيّات القرن الماضي، فقد زاد عدد الدول المستقلة، وشهدت تلك البلدان تحدّيات داخلية وخارجية، ونال التغيير أنظمة سياسية عديدة، وبات لكلّ دولة أولوياتها الوطنية المشتقّة من مصالحها الذاتية، ومن جهود تثبيت شرعيتها وعلاقاتها مع دول الجوار والإقليم، فضلاً عن العلاقات مع المراكز الدولية. ولم تنجح في الأثناء مشاريع وحدوية واتحادية شاركت فيها مصر وسورية والأردن والعراق وليبيا واليمن، باستثناء تجربة مجلس التعاون الخليجي التي حقّقت قدراً عالياً من التنسيق بين دول المجلس، من دون القدرة حتى تاريخه على إنشاء صيغ اتحادية: عملة موحّدة وبرلمان مشترك، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى اقتصار مجلس التعاون على مكوّناته الخليجية. وجملة تلك التجارب انتهت إلى شيوع ثقافة سياسية تتجسّد في مفاهيم ورؤى تقتصر على الدفاع عن كلّ كيان بمفرده، بعد أن تكرّست ثقافة التطيّر من خوض الحروب عقب الاتفاقات السلمية مع الكيان الإسرائيلي، ثم مضت إلى ما هو أبعد مع الاتفاقات الإبراهيمية التي قفزت فوق قضية احتلال الأراضي الفلسطينية والسورية، ونشأت بموجبها علاقاتٌ وثيقة ومتشعّبة مع الدولة الإسرائيلية. كذلك الحال مع إيران التي فرضت حضوراً ثقيلاً لها في عدة دول عربية، وقد تعرّض هذا الحضور لضغط عسكري شرس من الحلف الأميركي الإسرائيلي خلال العام الماضي، وبينما يشهد الحضور الإيراني بعض التقهقر، إلا أنّ السطوة الإسرائيلية في المقابل تشتدّ على الأراضي المحتلة وعلى لبنان وعلى سورية. وينأى العرب مجتمعين عن هذه التطوّرات، فكيف يمكن وسط هذه الظروف التفكير في معاهدة دفاع عربي مشترك تضمّ 22 دولة تجمعها في المقام الأول لغة الضاد وثقافتها، وسعيها الحثيث إلى تمتين علاقاتها مع المراكز الدولية؟

وما يثيره حلم معاهدة دفاع مشترك يعيد إلى الأذهان الشكوى الدائمة لدى سياسيين وحزبيين وبرلمانيين وأكاديميين ومعلّقين عن غياب مشروع عربي في مواجهة المشروعَين الإسرائيلي والإيراني. والحال أنّ مؤشّرات الواقع وحقائقه تخبرنا أنّ فرصة ظهور مشروع جامع كهذا شبه متعذّرة، فليست هناك دول مستعدّة للقيام بدور الرافعة في النهوض بهذا الطموح الكبير. وجلّ ما تُظهر الدول استعداداً له التعاون والتنسيق مع دول شقيقة أخرى في مجالات محدّدة أغلبها اقتصادية وأمنية وسياحية. مصر، على سبيل المثال، لم يعد لديها هذا الطموح، وترى أنّها تواجه تحدّيات كبيرة في الداخل بعد أن فاق عدد سكّانها مائة مليون نسمة، وتحدّد مواقفها من منظور احترام مصالحها في مياه النيل في مواجهة إثيوبيا، وإنهاء أزمة التمرّد في السودان، وتوحيد المؤسّسات في ليبيا، مع السعي السياسي والدبلوماسي لوقف المحنة في غزّة، واجتذاب الاستثمارات الخليجية والغربية إليها، والحفاظ على قناة السويس شرياناً رئيساً للملاحة الدولية، وتنشيط حركة السياحة في أرض الكنانة، بينما لدول عربية أخرى أولويات خاصّة بها.

من الواجب تحفيز زيادة أوجه التعاون والتنسيق المتعدّد الأطراف بما يمثّله من تشبيك إيجابي، واحتساب هذا من أضعف الإيمان وممّا يدخل في نطاق الممكن، غير أنّ هذا لا يندرج في ما يطمح إليه كثيرون (وكاتب هذه الكلمات ليس بمنأى عنهم) من إطلاق مشروع عربي يحدّد العلاقة مع دول الجوار الجغرافي ومع المراكز الدولية، ويحدّد قبل ذلك أهدافه في بعث كتلة عربية تتمسّك بمقتضيات الأمن الجماعي، مع اعتبار أيّ اعتداء على أيّ دولة أو كيان عربي بمنزلة اعتداء على المجموع وعلى الكلّ العربي، على غرار ما بدر عن دول القارّة الأوروبية التي رأت في الحرب على أوكرانيا حرباً عليها، ومدّتها بكلّ أشكال الدعم السخيّة: التسليحية والاستخبارية والمالية، ولولا هذا الدعم المضاف إليه الدعم الأميركي ودعم حلف شمال الأطلسي (ناتو) لابتلعت روسيا أوكرانيا.

وفي التقدير أنّ التحدّيات الإقليمية ذات البعد الدولي لن تنتظر انبعاث مشروع عربي، غير أنّ واقع الحال من توازنات استراتيجية ومن ديناميات سياسية يدلّ على الحاجة إلى أخذ البُعد الإسلامي في الاعتبار، ليس لدواعٍ عقائدية مباشرة، بل لأنّ مكوّنات رئيسة في العالم الإسلامي باتت تدرك أنّها في مرمى الخطر، وهو ما دفع إلى عقد أكثر من قمّة عربية - إسلامية في غضون الأعوام القليلة الماضية، وبالذات في السعودية، وهو ما أدّى إلى تشكيل الرباعي: مصر والسعودية وقطر وتركيا للتعامل مع محنة غزّة، وخلال ذلك أُبرمت اتفاقية دفاع مشترك بين باكستان والسعودية، وصولاً إلى تشكيل الرباعي: مصر والسعودية وتركيا وباكستان، للتعامل مع الحرب على إيران وعلى دول الخليج وتسهيل التفاوض الأميركي الإيراني. وهكذا، قادت التحوّلات إلى مشروع مركَّب عربي إقليمي. لا غنى في هذا الظرف عن البعد الإقليمي الإسلامي ممثّلاً ابتداءً بتركيا ثم باكستان في مواجهة التحدّيات، وبانتظار مأسسة هذا التعاون الرباعي لإدامته وتكريس وجوده، ومن دون إثارة توجّس المراكز الدولية، بل بالسعي إلى اكتساب ثقتها ما أمكن. وذلك هو البديل مرحلياً على الأقلّ عن انسداد فرص إرساء مشروع عربي "قومي" خالص، أو محاولة إحياء ما هو رميم مثل معاهدة دفاع عتيدة.