هيهاتَ مِنّا الذلّة ..
المؤشر 26-03-2026
يونس العموري
ويكون الهتاف الذي تصدح به الجناجر منذ فجر الازمان اذا ما جاز التعبر ، وتظل العبارة التي تُقال وانت المؤمن بها بكل حيثيات الايمان ، وبصرف النظر عن تموضعك بزوايا هذا الايمان ، ويظل المعنى الرابض بين الثنايا للمعنى المتربص بالتاريخ الذي كان والذي سيكون ...
هيهاتَ مِنّا الذلّة .... ليست عبارةً تُقال في لحظة حماسة، ولا شعارًا يُرفع على عجلٍ في ساحات الغضب والوغى ، بل هي خلاصةُ تاريخٍ طويلٍ من الانكسار والقيام، من الدم الذي لم يَجِف، ومن الحناجر التي بُحّت وهي ترفض أن تُساوم على ما لا يُساوَم عليه. "هيهات منا الذلة" ليست جملةً، بل موقفٌ وجودي، خطٌّ فاصل بين أن تكون… أو لا تكون ، في ذاكرة الاحرار والثوار وهؤلاء القادمون الى الحاضر من خلال التاريخ ، تقف هذه العبارة عند تخوم كربلاء حينما نُقشت تلك العبارة بالدم واضبحت جزء من تراث المكان والزمان ، حيث لم يكن العدد معيارًا، ولا ميزان القوة هو الحاسم، بل كان المعنى. هناك، حين وقف الحسين الثائر المتمرد شهيد الكلمة والرفض للإمعان للمرسوم الموسوم لأخذ البيعة عنوة ورغما وارغاما ، لم يكن يُخاطب جيشًا فحسب، بل كان يُخاطب الزمن كلّه، كأنّه يقول: إن الهزيمة ليست في السقوط، بل في القبول بالسقوط كقدرٍ نهائي. ومنذ ذلك الحين، لم تعد كربلاء حادثة، بل صارت معيارًا تُقاس به المواقف، ومرآةً تنعكس فيها وجوه العصور المتعاقبة.
واليوم، حين نُطلّ على مشهد الحرب والمواجهة الكبرى ، حيث تتكثّف النيران فوق أرض إيران، وتتشابك الإرادات في مواجهة عدوانٍ أميركي إسرائيلي لا يخفي أهدافه ولا يتوارى خلف أقنعة، يبدو أن التاريخ يعيد طرح السؤال ذاته: من يقف؟ ومن ينحني؟ ومن يختار أن يكون شاهدًا، ومن يختار أن يكون سطرًا في رواية الآخرين؟
ليست المسألة هنا دفاعًا عن جغرافيا بحدودها السياسية، ولا عن نظامٍ أو سلطة، بل عن فكرةٍ أبعد: فكرة أن تُفرَض الإرادة بالقوة، وأن يُعاد تشكيل المنطقة وفق مقاييس الهيمنة، حيث لا مكان لمن يرفض، ولا صوت لمن يقول "لا". هنا تحديدًا، تستيقظ عبارة "هيهات منا الذلة" من سباتها، لا كذكرى، بل كضرورة.
في هذا الزمن، لم تعد الذلة تُقدَّم في صورة الاستسلام الصريح فقط، بل في هيئة صفقات، تفاهمات، صمتٍ مُريب، أو حيادٍ مُزيّف. الذلة قد تكون في أن ترى العدوان وتبحث له عن مبرر، أو أن تُساوي بين الضحية والجلاد بحجة الواقعية السياسية. الذلة قد تكون في أن تُقنع نفسك بأن البقاء بأي ثمن هو نجاة، بينما هو في حقيقته تأجيلٌ للسقوط.
وفي المقابل، فإن الرفض—أيًّا كان شكله—يستعيد ذلك المعنى الأول: أن الإنسان، أو الأمة، يمكن أن تُهزم عسكريًا، لكنها لا تُهزم إذا رفضت أن تُكسر من الداخل. لهذا، فإن مشهد المواجهة اليوم، بكل تعقيداته، لا يُختصر في صواريخ تُطلق أو قواعد تُستهدف، بل في الإرادة التي تقف خلف ذلك كلّه: إرادة تقول إن الكرامة ليست بندًا تفاوضيًا.
العالم من حولنا يتغير، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها، وخرائط النفوذ تُرسم بدمٍ جديد. لكن وسط هذا الضجيج، يبقى السؤال القديم حاضرًا: هل نقبل أن نكون تفصيلًا صغيرًا في مشروع الآخرين، أم نحاول—ولو بخسارةٍ ظاهرة—أن نكون أصحاب قرار؟
"هيهات منا الذلة" ليست وعدًا بالنصر السريع، ولا ضمانةً لتفوّقٍ عسكري، بل هي إعلانٌ بأن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين نقبل تعريف العدو لنا، وحين نرى أنفسنا بعيونه، لا بعيوننا. هي لحظة تحررٍ داخلي قبل أن تكون مواجهةً خارجية.
ربما تبدو الكلمة ثقيلة في زمن الحسابات الباردة، حيث تُقاس المواقف بالربح والخسارة، لا بالحق والباطل. وربما يسخر منها من اعتادوا على منطق "تجنّب الخسائر" حتى لو كان الثمن هو الكرامة ذاتها. لكن التاريخ—وإن طال—لا يحتفظ إلا بأولئك الذين قالوا "لا" حين كان قولها مكلفًا.
في زمن الحرب على إيران، لا يعود السؤال: من سينتصر؟ بل: من سيبقى واقفًا حتى النهاية؟ لأن الوقوف ذاته، في عالمٍ ينهار نحو الخضوع، هو شكلٌ من أشكال الانتصار.
وهكذا، تعود العبارة لتُقال من جديد، لا كصدى بعيد من الماضي، بل كصوتٍ حيّ في الحاضر، هيهات منا الذلة… لأن الذلة ليست خيارًا مؤجلًا، بل سقوطٌ يبدأ لحظة القبول، ولأن الكرامة، مهما كلفت، تظل الطريق الوحيد الذي لا يُفضي إلى الندم.
وإذا كان التاريخ يُكتب عادةً بأقلام المنتصرين، فإن الذاكرة تُحفظ بدماء الذين رفضوا أن يكونوا هامشًا. لذلك، لا يمكن قراءة اللحظة الراهنة إلا بوصفها امتدادًا لذلك الصراع الأزلي بين من يرى العالم ساحةً مفتوحةً لإرادته، ومن يراه بيتًا مشتركًا لا يُبنى إلا بالعدل. في هذا الاشتباك، لا يعود السلاح وحده هو الفيصل، بل الرواية أيضًا: من يروي؟ وكيف تُروى الحكاية؟ ومن يُسمح له أن يتكلم؟
في زمن العدوان، تُعاد صياغة اللغة نفسها. تُصبح الضربة “وقائية”، والحصار “أداة ضغط”، والدم “أضرارًا جانبية”. وهنا، تكمن أخطر أشكال الذلة: أن نقبل بالمصطلحات التي تُفرغ مأساتنا من معناها، وأن نُعيد إنتاج خطابٍ يُبرّر ما لا يُبرَّر. إن رفض الذلة يبدأ من رفض اللغة التي تُخفيها، ومن الإصرار على تسمية الأشياء بأسمائها، مهما كانت الكلفة.
ولعلّ أخطر ما في هذا الزمن، ليس فقط القنابل التي تتساقط، بل ذلك التآكل البطيء في الوعي، حيث يُصبح القهر أمرًا عاديًا، والعدوان خبرًا عابرًا، والكرامة ترفًا فكريًا لا مكان له في حسابات “الواقعية”. هنا تحديدًا، تتحول عبارة "هيهات منا الذلة" إلى فعل مقاومة يومي، لا في الميدان فقط، بل في الوعي، في الكلمة، في الموقف، في القدرة على أن تقول: هذا ظلم، حتى لو صمت العالم كلّه.
وفي مشهدٍ تتقاطع فيه المصالح الدولية، من واشنطن إلى تل أبيب، ومن عواصم القرار الكبرى إلى غرف العمليات المغلقة، يبدو أن المنطقة تُدفع مرةً أخرى إلى اختبارٍ قاسٍ: هل تكون ساحةً تُدار من الخارج، أم فضاءً يُنتج قراره بنفسه؟ ليس المطلوب هنا خطابًا حماسيًا فارغًا، بل وعيٌ عميق بأن الاستقلال الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع، وأن الكرامة ليست شعارًا، بل ثمنٌ يُدفع.
إن ما يجري اليوم، بكل ما يحمله من عنفٍ واضطراب، يكشف هشاشة التوازنات التي بُنيت على الخوف، ويُعرّي تلك التحالفات التي قامت على حساب الشعوب. وفي هذا السياق، فإن كل موقفٍ صامت، وكل تبريرٍ مُلتبس، هو جزء من معادلة الذلة، حتى لو بدا في ظاهره حيادًا أو حكمة.
لكن، في المقابل، هناك دائمًا ذلك الصوت الخافت الذي يرفض أن ينطفئ. صوت الشعوب التي تعبت من الهزائم، لكنها لم تعتد عليها. صوت الأمهات اللواتي يدفنَّ أبناءهنّ، ثم يرفعن رؤوسهنّ رغم الانكسار. صوت المدن التي تُدمَّر، لكنها تعود لتُبنى، لا بالحجارة فقط، بل بالإرادة.
وهنا، يتجاوز المعنى حدود الجغرافيا. فليست القضية إيران وحدها، ولا ساحةً بعينها، بل فكرة أوسع: هل يُسمح لمن يملك القوة أن يُعيد تشكيل العالم على هواه؟ أم أن هناك حدًا، ولو كان هشًا، تقف عنده إرادة الإنسان رافضةً أن تُختزل إلى رقمٍ في معادلة النفوذ؟
إن "هيهات منا الذلة" في هذا السياق، ليست موقفًا ضد طرفٍ بعينه بقدر ما هي موقفٌ مع الإنسان، مع حقه في أن يعيش حرًا، أن يختار، أن يرفض. هي انحيازٌ للكرامة بوصفها قيمةً لا تُجزّأ، لا تُقاس بالمصالح، ولا تُقايض بالأمان المؤقت.
وربما، في خضم هذا الضجيج، يبدو الحديث عن الكرامة نوعًا من المثالية التي لا تصمد أمام صلابة الواقع. لكن الحقيقة أن كل واقعٍ بدأ يومًا بفكرة، وكل تغييرٍ كان في لحظةٍ ما ضربًا من الخيال. وما بين الخيال والواقع، تقف تلك اللحظة التي يقرر فيها إنسانٌ ما، أو شعبٌ ما، أن يقول: كفى.
في تلك اللحظة، يتغير كل شيء.
قد لا تتوقف الحرب فورًا، وقد لا تنكسر آلة العدوان بسهولة، لكن شيئًا عميقًا يحدث: يُعاد تعريف الممكن. لم يعد الممكن هو ما تسمح به القوة، بل ما تفرضه الإرادة. وهنا، تحديدًا، تتحول "هيهات منا الذلة" من جملةٍ إلى فعل، من ذكرى إلى مستقبل.
إنها ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
بداية وعيٍ جديد، يُدرك أن الكرامة ليست رفاهية، بل شرط وجود. وأن الذلة، مهما تجمّلت، تبقى سقوطًا مؤجلًا. وأن الشعوب، مهما طال صمتها، لا تموت… بل تنتظر لحظتها.
وتلك اللحظة، كما علّمنا التاريخ، لا تأتي حين تكون الظروف مثالية، بل حين يقرر أحدهم أن يصنعها ، وعندها فقط، تُقال العبارة من جديد، لا كحلم، بل كحقيقة تُصنع، هيهات منا الذلة… لا لأننا أقوى، بل لأننا اخترنا ألا ننكسر، ولا لأن الطريق سهل، بل لأنه الطريق الوحيد الذي يُبقي للإنسان معنى أن يكون إنسانًا.



