نتنياهو ينتقل بإسرائيل من “اسبارطة” إلى “الدولة العظمى
المؤشر 14-03-2026
امير مخول
تقديم: بالإمكان توصيف تصريحات نتنياهو خلال المؤتمر الصحفي الأول منذ بداية الحرب، والذي عقده مساء 12 آذار/مارس، بأنها “خطاب الدولة العظمى” إقليميًا وخارج الإقليم، وإلى جانب الولايات المتحدة، وهو خطاب فيه تطوير لخطاب “اسبارطة” قبل نحو عام. في خطاب ذاك، تحدث نتنياهو عن تطوير قدرات إسرائيل لدرجة تعتمد عليها ذاتيًا في إدارة حروبها، والتحول في العلاقة مع الولايات المتحدة إلى الشراكة الاستراتيجية في تطوير القدرات القتالية. بينما في مؤتمره الصحفي كرر نتنياهو مقولة إسرائيل كدولة عظمى، وبأنها سوف تعتمد قدرات الدولة العظمى من أجل استهداف كل ما قد يشكل خطرًا مستقبليًا عليها أو على تفوقها العسكري المطلق.
فيما تصريحاته بأن إيران لم تعد كما كانت، والشرق الأوسط لم يعد كما كان، وإسرائيل لم تعد كما كانت، تشمل تجديدًا خارج حدود اللغة والحماسة، فإن تصريحه بأن إسرائيل لم تعد كما كانت هو، بتقديرنا، إعلان تغيير نهج تاريخي نحو التدخل الدائم في المنطقة وخارجها، بالاستناد إلى قوة إسرائيل التي انتقلت إلى مصاف الدول العظمى في مناحٍ كثيرة كما قال.
تحليل
توقف نتنياهو عند النظام الإيراني باعتباره اعتمد على ثلاثة أسس ضمن “خطة إبادة إسرائيل”، وهي: إقامة شبكة وكلاء في المنطقة تم القضاء عليها أو في طور القضاء عليها، والترسانة الصاروخية البالستية، والقنبلة الذرية بهدف معلن وهو إبادة إسرائيل. في المقابل بنت إسرائيل قدرات عسكرية ذاتية، وتكنولوجيا ذاتية، وسياسية ذاتية (مع تكرار كلمة ذاتية منه)، وهي القدرات التي لن تتيح لإيران استخدام أي مما طورته.
أضاف نتنياهو بأن إسرائيل تتموضع في خانة دولية مختلفة عن أي وقت سابق، وإلى جانب الولايات المتحدة كشريكين، وبأن تعاظم قوة إسرائيل يسير بوتيرة أعلى بكثير من تعاظم التحديات التي تواجهها، وبأن إسرائيل قادرة على إزالة المخاطر والتهديدات وضمان المستقبل.
في الشأن النووي أكد أن إسرائيل والولايات المتحدة “لن يتيحا لإيران إخفاء أي تطوير للسلاح النووي” ولا تخصيب اليورانيوم، منوهًا إلى القدرات التكنولوجية في تعقب ذلك واستهدافه حتى ولو تم الإعلان عن إنهاء الحرب. يعني هذا التصريح أن إسرائيل ستواصل الحرب بطرق أخرى، معتمدةً وفقًا لتصريحات سابقة على تفوقها الفضائي الحربي وعلى سلاح الطيران والاستخبارات العسكرية. كما يعني أن سماء طهران والأجواء الإيرانية، وفقًا له، ستبقى مفتوحة للطيران الحربي الإسرائيلي في كل ظرف.
في المقابل، ومن وراء التصريحات الكبرى التي أدلى بها، قام نتنياهو بتعديل الأهداف الإسرائيلية في إيران، وأحال مسألة إسقاط النظام إلى الشعب الإيراني، فيما توفر إسرائيل ظروفًا مؤاتية لذلك، بما يشكل مؤشرًا على أن الضربات القادمة تستهدف سحق الباسيج والحرس الثوري والجيش في إيران وفقًا لكلماته. لكن المسألة، كما يتضح، مرتبطة بالتناسق مع الموقف الأمريكي الذي أحال بدوره مسألة تغيير النظام على عاتق الشعب الإيراني. كما أن ما يرشح عن إدارة ترامب يفيد بأنها بصدد الإعلان عن إنهاء الحرب خلال أسبوع، وهذا ينعكس على أهداف نتنياهو وحكومته في ظل عامل الوقت القصير وعدم القدرة حاليًا على حسم الحرب لصالح الحليفين الأمريكي والإسرائيلي.
يقوم القلق الأمريكي على أن التدخل البري وإقامة رأس جسر عسكري في غرب إيران، في المنطقة ذات الأغلبية الكردية، من شأنه أن يؤجج الصراع الإسرائيلي الأمريكي مع تركيا، كونها ترى في مثل هذا التطور تهديدًا مباشرًا لوحدة بلادها وللأمن القومي التركي الذي يخشى التوجهات الانفصالية الكردية.
كما تخشى الولايات المتحدة مما يسمى “اليوم التالي للحرب” وإلى ماذا ستؤول الأمور، إذ تبدو الاحتمالات الأقوى هي وضعية يستطيع كل طرف الادعاء بالانتصار وفقًا لمعاييره واعتباراته. فيما الخشية الأكبر أمريكيًا وإسرائيليًا هي نشوء حالة من سباق التسلح النووي إقليميًا، وسعي عدة دول غير إيران إلى تطوير قدراتها النووية العسكرية، بما فيها تركيا والسعودية ومصر.
ويشكل مثل هذا التطور، في حال حصوله، أمرًا مؤرقًا لإسرائيل التي قد تفقد ما يسمى قوة الردع النووية، كما تفقد من مفعولها فرضية نتنياهو التي أتى بها في مؤتمره الصحفي بصدد الدولة العظمى إقليميًا وخارج الإقليم، إلا إذا راهن على الشق الثاني من خطابه بما يتعلق بقدرة إسرائيل على منع أي دولة إقليمية من تطوير السلاح النووي، وهذا يعني خروج المنطقة عن الضبط الأمريكي الإسرائيلي المحتمل.
داخليًا: أراد نتنياهو من مؤتمره الصحفي أن يكون خطاب انتصار حتى في حال قررت إدارة ترامب وقف الحرب. فيما يبدو أنه يصل إلى الاستنتاج بأن إنهاء الحرب يصب سياسيًا وانتخابيًا في صالحه. وقد يسبق ذلك “مفاجآت كثيرة” تم إعدادها لإيران وفقًا له، قد تعزز صورة الانتصار الناتجة عن نهجه.
في حين أن استطلاعات نهاية الأسبوع يومي 12 و13 آذار/مارس تشير بشكل واضح إلى تحسن حظوظ نتنياهو الانتخابية، حتى ولو من خلال تغيير تركيبة ائتلافه الحاكم. وقد يُبقي عليه في حال نجح في ذلك، ويعود هذا الخيار إلى اعتباره ائتلافًا مريحًا سياسيًا وعقائديًا يحول دون أي حلول سياسية لا في مسألة فلسطين ولا إقليميًا.
خلاصات:
** نتنياهو جاد في خطابه بصدد اعتبار إسرائيل دولة عظمى إقليميًا وعالميًا في جوانب معينة، ويقصد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء والقدرة الاستخباراتية وسلاح الجو، وفي سوق الطاقة والغاز المسال. وهو مصمم على تحويل العلاقات مع واشنطن إلى شراكة استراتيجية في تغيير المنطقة والنظام العالمي.
** في مؤتمره الصحفي وضع نتنياهو الأسس لخطاب الانتصار في الحرب وفقًا له، بما يعني احتمالية قرب انتهائها.
**تطبيق خطاب نتنياهو على أرض الواقع يعني الإبقاء على حالة التفوق المطلق إسرائيليًا وفرض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية بالقوة، والسعي لإخضاع هذه الدول، وحصرًا الخليجية، لهذه الإملاءات، وهو أمر مستبعد أن تقبل به دول الإقليم.
** إلى جانب هالة الجدية في مؤتمر نتنياهو الصحفي، يبقى جزء منها للاستهلاك السياسي الداخلي والخارجي، وكذلك سعيًا للتأثير على الرأي العام الأمريكي لصالح إطالة أمد الحرب. نتنياهو يدرك أنه لا يستطيع مواجهة ترامب مباشرة في هذا الصدد، كما يدرك الاتجاه في الإدارة الأمريكية نحو التفتيش عن نقطة إنهاء الحرب التي باتت مستنزفة أمريكيًا وعلى حساب تأييد ترامب ومؤيديه.



