بين تضحيات الشارع وصمت القيادة: أزمة وطن تبحث عن بوصلة
المؤشر 14-03-2026
الكاتب: معمر يوسف العويوي
في زمن العواصف الكبرى، تُقاس الأمم بقدرة قياداتها على أن تكون في مستوى التضحيات التي يقدمها شعبها. أما في الحالة الفلسطينية اليوم، فإن المشهد يبدو مقلقاً؛ فبينما يخوض المواطن الفلسطيني معركة البقاء والكرامة في غزة والضفة والقدس، تتسع فجوة الثقة بين الشارع وقيادته السياسية إلى حد غير مسبوق.
المواطن الفلسطيني، الذي يواجه القصف والاقتحامات والاعتقال والتهجير، لم يعد يسأل فقط عن مصير المعركة مع الاحتلال، بل بدأ يسأل أيضاً عن موقع قيادته في هذه المعركة. أين هي القيادة التي تقود؟ وأين المشروع الوطني الذي يجمع؟ وأين القرار القادر على تحويل تضحيات الناس إلى إنجاز سياسي حقيقي؟
هذه الأسئلة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سنوات طويلة من التراكمات السياسية التي أدت إلى تآكل الثقة الشعبية بقيادات الاحزاب والتنظيمات وبالمؤسسات الرسمية، وتراجع الرضا عن الأداء القيادي. ومع كل أزمة جديدة، تتكشف هذه الفجوة أكثر، ويزداد شعور المواطن بأن المسافة بينه وبين مركز القرار أصبحت أبعد مما ينبغي.
اليوم يقدم الفلسطينيون واحدة من أعظم صور الصمود في تاريخهم الحديث. في غزة شعب يواجه آلة حرب شرسة، وفي الضفة شعب يواجه الاقتحامات والاستيطان ومحاولات التهجير اليومية، وفي القدس معركة مفتوحة على الهوية والوجود. ومع ذلك، يشعر كثيرون أن الأداء السياسي الرسمي ما زال يدور في فلك البيانات التقليدية والمواقف الدبلوماسية المحدودة، دون قدرة حقيقية على تحويل هذه التضحيات إلى قوة سياسية فاعلة.
ومن هنا يتولد شعور خطير يمكن وصفه بـ “اليتم السياسي”. فالمواطن الفلسطيني يشعر أحياناً أنه يقف في الميدان وحده، بينما تعجز الأطر السياسية عن إنتاج قيادة موحدة قادرة على توجيه البوصلة الوطنية أو حماية الجبهة الداخلية.
يزداد هذا الشعور حدة مع استمرار الانقسام الفلسطيني، الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل تحول إلى حالة استنزاف مستمرة للمشروع الوطني. فالانقسام لم يضعف المؤسسات فحسب، بل أضعف أيضاً ثقة الناس بفكرة العمل السياسي نفسها، وجعل كثيرين يرون أن الصراع على السلطة بات يطغى على الصراع مع الاحتلال.
وفي ظل هذه الصورة، يتشكل لدى الشارع انطباع واسع بأن جزءاً من النخب السياسية بات منشغلاً بإدارة توازنات البقاء أكثر من انشغاله بإدارة مشروع التحرير. وعندما يشعر الناس بأن السياسة تتحول إلى إدارة مصالح وامتيازات، فإن أول ما يتآكل هو الثقة.
ومع تراجع الثقة، تتراجع المشاركة. فالمجتمع الذي يفقد إيمانه بجدوى العملية السياسية يصبح أقل استعداداً للانخراط فيها. وهذا ما يفسر حالة الفتور الشعبي تجاه كثير من القضايا السياسية، وكذلك الشكوك الواسعة التي تحيط بأي حديث عن انتخابات قادمة، إذ يخشى كثيرون أن تتحول إلى إجراء شكلي أكثر من كونها محطة حقيقية للتغيير.
خطورة هذه الأزمة لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في تأثيرها المباشر على المشروع الوطني الفلسطيني. فكل مشروع تحرري يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وقيادة تحظى بثقة شعبها، وقاعدة شعبية تؤمن بأن تضحياتها تسير في اتجاه واضح.
عندما تتآكل هذه الثقة، تتآكل معها الشرعية السياسية، وتصبح القيادة أضعف في مواجهة الضغوط الخارجية، كما يصبح المجتمع أكثر عرضة للإحباط والتفكك. وهذا تحديداً ما يسعى الاحتلال إلى تعميقه، لأنه يدرك أن قوة الفلسطينيين الحقيقية تكمن في وحدتهم الداخلية.
لكن رغم قتامة المشهد، فإن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة إن أحسن التعامل معها. فإعادة بناء الثقة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
أول هذه الخطوات هو إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية. فالشعب الذي يقف موحداً في الميدان يستحق قيادة موحدة في السياسة.
وثانيها إعادة الاعتبار لقيم الشفافية والمحاسبة داخل المؤسسات الوطنية، لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسة. فالمواطن يريد أن يرى مؤسسات تخدمه وتحميه وتعمل باسمه لا فوقه.
أما الخطوة الأهم، فهي إعادة توجيه البوصلة نحو الهدف المركزي: المشروع الوطني الفلسطيني. فحين يشعر المواطن أن السياسة تعود لتكون أداة للتحرير لا مجرد إدارة للواقع، فإن الثقة يمكن أن تبدأ بالعودة تدريجياً.
لقد أثبت الفلسطينيون عبر تاريخهم أنهم شعب قادر على الصمود في أقسى الظروف. لكن هذا الصمود يحتاج إلى قيادة توازيه، وتليق بتضحياته، وتترجم إرادته إلى مشروع وطني جامع.
فالشارع الفلسطيني لا يبحث عن معجزات…
بل عن قيادة تشبهه، وتشعر بآلامه، وتسير معه في الطريق نفسه نحو الحرية.
إن أخطر ما يواجه أي شعب في معركته ليس قوة خصمه فقط، بل شعوره بأنه يقف وحده. فالكلمة الصادقة من القيادة ليست مجرد خطاب سياسي، بل طمأنينة لشعبٍ يقاتل، وبوصلة لجمهور يبحث عن اتجاه. وعندما تغيب هذه الرسالة، يترك الفراغ مكانها، ويتسلل القلق والشك إلى الوعي الجمعي، وهو فراغ لا يخدم إلا الاحتلال.



