السلطة الوطنية الفلسطينية… بين الحصار المالي وحروب التشويه والطعن والاغتيال المعنوي

السلطة الوطنية الفلسطينية… بين الحصار المالي وحروب التشويه والطعن والاغتيال المعنوي

المؤشر 14-03-2026  

الكاتب: عبد الله كميل

في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه السياسي، تتعرض السلطة الوطنية الفلسطينية لهجوم مركب لا يقتصر على الضغوط السياسية أو الأمنية، بل يمتد ليشمل الحصار المالي وحروب التشويه الإعلامي المنظمة. هذا الهجوم المتعدد الأدوات تقوده بشكل أساسي إسرائيل، لكنه يتغذى أيضاً من حملات منظمة عبر الفضاء الرقمي تستهدف رموز السلطة ومؤسساتها.

الحصار المالي الذي تتعرض له السلطة ليس مسألة إدارية أو مالية عابرة، بل هو أداة سياسية بامتياز. فقد استخدمت إسرائيل مراراً ورقة احتجاز أموال المقاصة والضغط الاقتصادي لإضعاف قدرة السلطة على القيام بواجباتها تجاه المواطنين. والهدف من ذلك واضح: إنهاك المؤسسات الفلسطينية، وإظهار السلطة أمام شعبها بمظهر العاجز عن إدارة شؤون الحياة اليومية، بما يفتح الباب أمام فقدان الثقة الشعبية بها.

لكن الحصار المالي ليس سوى جزء من معركة أوسع. فإلى جانب الضغوط الاقتصادية، تشهد الساحة الرقمية حملات تحريض وتشويه منظمة تقودها جيوش من الحسابات الوهمية وما يعرف بـ”الذباب الإلكتروني”. هذه الحسابات تعمل بشكل منهجي على استهداف رموز السلطة الوطنية وقياداتها ومؤسساتها، عبر نشر الشائعات وتضخيم الأخطاء وتقديم روايات مشوهة تهدف إلى ضرب الثقة العامة بالمؤسسة الوطنية.

ولا يخفى على المتابع أن جزءاً من هذه الحملات يتم توجيهه أو استثماره من قبل جهات معادية تسعى إلى تفكيك البنية السياسية الفلسطينية من الداخل. فإضعاف السلطة عبر التشويه والتحريض يخدم في النهاية الأجندة الإسرائيلية التي طالما سعت إلى نزع الشرعية عن أي إطار سياسي فلسطيني قادر على تمثيل الشعب الفلسطيني.

إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط حجم الأكاذيب التي تروج لها، بل قدرتها على استغلال حالة الغضب أو الإحباط لدى بعض الناس، لتحويل النقد المشروع إلى حالة من الهدم الشامل للمؤسسة الوطنية. وهنا يكمن الفارق بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الخطاب الذي يتحول – عن قصد أو دون قصد – إلى أداة في معركة تستهدف الوجود السياسي الفلسطيني ذاته.

إن الحفاظ على السلطة الوطنية الفلسطينية لا يعني الدفاع عن الأخطاء أو تجاهل الحاجة إلى الإصلاح والتطوير. بل يعني إدراك أن هذه المؤسسة، رغم كل ما يقال عنها، تمثل الإطار السياسي والقانوني الذي يحفظ الحد الأدنى من الكيان الفلسطيني على الأرض.

ففي حسابات إسرائيل، انهيار السلطة لن يقود إلى الحرية أو الاستقلال، بل إلى فراغ سياسي وأمني يسمح بفرض وقائع جديدة على الأرض، من توسيع الاستيطان إلى تكريس السيطرة المباشرة على المدن والبلدات الفلسطينية.

لهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط معركة بقاء اقتصادي أو سياسي، بل هي أيضاً معركة وعي. فإدراك أهداف الحصار المالي، وكشف حملات التشويه الرقمية، والتمييز بين النقد الوطني المسؤول وبين التحريض المنظم، كلها عناصر أساسية في حماية المؤسسة الوطنية الفلسطينية.

فالسلطة يمكن إصلاحها وتطويرها… أما انهيارها فهو بالضبط ما يسعى إليه الاحتلال.