حرب تغيير النظام: قراءة سياسية في الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران
المؤشر 07-03-2026
الكاتب: هديل ياسين
لم يكن الهجوم الأميركي–الإسرائيلي الواسع على إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026 مجرد عملية عسكرية عابرة أو رد فعل على ملف تقني يتعلق بتخصيب اليورانيوم، بل بدا أقرب إلى محاولة استراتيجية لإعادة صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط عبر ضرب أحد أعمدة النظام الإقليمي. فبعد أسابيع من الحشد العسكري المكثف والتصريحات التصعيدية من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جاءت الضربة التي استهدفت قلب القيادة الإيرانية واغتالت المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعددا كبيرا من القيادات العسكرية والأمنية، لتكشف أن ما يجري يتجاوز بكثير العنوان المعلن وهو “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”. فطبيعة الأهداف التي ضُربت في الساعات الأولى، وطبيعة الخطاب السياسي الذي أعقب الهجوم، يشيران بوضوح إلى أن الهدف الحقيقي للعملية كان محاولة تقويض النظام الإيراني نفسه وخلق لحظة سياسية وأمنية قد تفتح الباب أمام تغييره من الداخل. وفي هذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت محاولة لفرض تحول سياسي كبير داخل إيران عبر استخدام القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل الواقع الداخلي والإقليمي في آن واحد.
إن قراءة مسار الأحداث التي سبقت الحرب تكشف أن التصعيد لم يكن وليد لحظة أو نتيجة فشل مفاجئ للمفاوضات، بل كان على الأرجح جزءا من استراتيجية أوسع جرى إعدادها منذ أشهر. فالمفاوضات التي جرت في مسقط ثم جنيف خلال شباط/ فبراير 2026 بدت، في ظاهرها، محاولة دبلوماسية لتجنب الحرب، لكنها كانت في الواقع تجري في ظل مناخ من “دبلوماسية البوارج”، حيث كان الحشد العسكري الأميركي في المنطقة يتصاعد بوتيرة ثابتة فيما كانت المهلة التي حددها ترمب للتوصل إلى اتفاق تضيق تدريجيا. صحيح أن الخلافات بين واشنطن وطهران كانت عميقة، خصوصا بشأن مطلب الولايات المتحدة وقف كل عمليات التخصيب داخل إيران وإخراج كامل مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى الخارج، إلا أن المؤشرات التي ظهرت في الأيام الأخيرة قبل الحرب كانت توحي بأن تسوية ما كانت ممكنة، خصوصا بعد التصريحات التي تحدثت عن استعداد إيران لنقل مخزونها المخصب إلى الخارج وقبولها بنظام تفتيش صارم. ومع ذلك، اندلعت الحرب في اللحظة التي بدا فيها أن المفاوضات قد تقترب من اختراق حقيقي، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن القوى المؤيدة للخيار العسكري داخل واشنطن وتل أبيب لم تكن ترى في التسوية هدفا بحد ذاته، بل كانت تخشى أن تؤدي أي تسوية إلى بقاء النظام الإيراني واستمراره لاعبا إقليميا مؤثرا ولو بشروط أكثر صرامة.
إن طبيعة الضربة الأولى تعكس بوضوح هذا المنطق. فبدل الاكتفاء بضرب المنشآت النووية أو البنية التحتية العسكرية، جرى التركيز على استهداف القيادة العليا للنظام الإيراني، بما في ذلك المرشد الأعلى وكبار قادة الأجهزة العسكرية والأمنية، وهو ما يدل على أن العملية صُممت منذ البداية لتوجيه ضربة قاصمة إلى مركز القرار السياسي والأمني في إيران. إن اغتيال القيادة ليس مجرد عمل عسكري تكتيكي، بل هو محاولة لإحداث صدمة سياسية داخل الدولة الإيرانية عبر تفكيك هرم السلطة وإرباك منظومة الحكم، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة النظام على السيطرة الداخلية وفتح المجال أمام انفجار سياسي أو اجتماعي من الداخل. وفي هذا السياق، يصبح واضحا أن الرهان الأميركي–الإسرائيلي لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل يقوم على فرض معادلة سياسية جديدة تقوم على إضعاف النظام إلى درجة يصبح فيها عاجزا عن الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية المتزامنةيعزز هذا الاستنتاج الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي بعد بدء العمليات، عندما وجّه رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني دعاهم فيها إلى “السيطرة على حكومتهم” واستغلال ما وصفه بفرصة تاريخية لتغيير مصير بلادهم. مثل هذا الخطاب يكشف أن واشنطن لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد وسيلة لتقييد البرنامج النووي الإيراني، بل كأداة لخلق ظروف داخلية قد تؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إلى دفعه إلى الاستسلام السياسي الكامل. غير أن هذا الرهان ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، لأن التجربة التاريخية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية لا يؤدي بالضرورة إلى قيام بدائل مستقرة، بل غالبا ما يقود إلى حالات من الفوضى أو الصراع الداخلي الطويل. ففي العراق وليبيا وسورية، أدى انهيار الدولة المركزية إلى تفكك البنى السياسية والأمنية وفتح المجال أمام صراعات داخلية معقدة استمرت سنوات طويلة، ولم تنجح القوى التي شنت الحروب في السيطرة على نتائجها أو توجيه مسارها وفق حساباتها الأصلية.
في المقابل، سعت إيران إلى الرد بطريقة تعكس إدراكها لطبيعة الاستراتيجية التي تواجهها. فبدل حصر ردها في إسرائيل أو القواعد الأميركية المباشرة، وسعت نطاق عملياتها لتشمل أهدافا اقتصادية في الخليج ومواقع في الأردن وقبرص، في محاولة واضحة لتحويل الحرب من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق. هذه الاستراتيجية تقوم على رفع كلفة الحرب إلى الحد الأقصى، ليس فقط عسكريا بل اقتصاديا أيضا، عبر تهديد البنية التحتية للطاقة والتجارة في المنطقة وإرباك الأسواق العالمية. فكلما توسعت دائرة التأثير الاقتصادي للحرب، زادت الضغوط الدولية على واشنطن لوقفها أو الحد من نطاقها، خصوصا إذا بدأت آثارها تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ومن منظور أوسع، فإن هذه الحرب تأتي في سياق تحولات إقليمية شهدتها السنوات الأخيرة، حيث تعرضت شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران إلى ضربات متتالية أدت إلى إضعاف قدرتها على تشكيل جبهات متعددة ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة. هذا الواقع شجع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب على الاعتقاد بأن اللحظة الراهنة تمثل فرصة استراتيجية لتوجيه ضربة حاسمة لإيران، مستفيدين من ما يرونه تراجعا نسبيا في قدرة طهران على الرد عبر حلفائها في المنطقة. لكن المشكلة الأساسية في مثل هذا النوع من الحسابات الاستراتيجية تكمن في أنها تفترض أن الأنظمة السياسية يمكن إسقاطها بسهولة عبر ضربات عسكرية مركزة، بينما تشير تجارب التاريخ إلى أن الدول الكبيرة ذات البنى الاجتماعية والسياسية المعقدة لا تنهار بالضرورة حتى عندما تتعرض لضرر عسكري كبير.
ولهذا، فإن أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار الذي يمكن أن تلحقه بإيران أو بالمنطقة، بل غياب تصور واضح لما يمكن أن يحدث بعد انتهاء العمليات العسكرية. فحتى لو نجحت الضربات في إضعاف النظام الإيراني أو تفكيك جزء من بنيته القيادية، فإن السؤال الأكبر سيبقى مطروحا حول شكل النظام الذي قد يظهر بعد ذلك، وحول ما إذا كانت إيران ستتحول إلى دولة مستقرة جديدة أم إلى ساحة صراع داخلي طويل. وفي ظل غياب بديل سياسي منظم قادر على ملء الفراغ في حال انهيار النظام، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا قد يكون دخول البلاد في مرحلة من عدم الاستقرار العميق، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تداعيات إقليمية واسعة تتجاوز حدود إيران نفسها.
وبهذا المعنى، فإن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل هي صراع على مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فهي محاولة لإعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة عبر إقصاء أحد أبرز اللاعبين فيها، لكنها في الوقت نفسه مغامرة استراتيجية كبرى قد تفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى الجيوسياسية يصعب التحكم في مسارها أو توقع نتائجها. ففي التاريخ الحديث، كثيرا ما بدأت الحروب بأهداف واضحة ومحددة، لكنها انتهت بواقع مختلف تماما عما خطط له صناع القرار الذين أطلقوها.



