في الذكرى 44 لانطلاقة حزب الشعب الفلسطيني: ما العمل في لحظة الانكشاف الوطني؟
المؤشر 12-02-2026
رزق عطاونة
في الذكرى الرابعة والأربعين لانطلاقة حزب الشعب الفلسطيني لا يجوز أن يطرح السؤال بوصفه تمرينا خطابيا ولا أن تُقدم الإجابة عليه كبيان سياسي يضاف إلى أرشيف البيانات سؤال ما العمل فلسطينيا؟ اليوم هو سؤال وجودي يفرضه واقع الإبادة في غزة والضم في الضفة، والانكشاف غير المسبوق لحقيقة المشروع الاستعماري الصهيوني أمام العالم. وفي مثل هذه اللحظات تقاس جدية القوى السياسية بقدرتها على تقديم رؤية قابلة للفعل وموقف أخلاقي وسياسي متماسك.
من موقعه التاريخي والفكري يرى حزب الشعب الفلسطيني أن نقطة الانطلاق لأي إجابة صادقة تبدأ بالاعتراف بأن الانقسام لم يعد مجرد خلل داخلي بل تحول إلى عامل موضوعي يضعف القدرة الفلسطينية على الدفاع عن الحق ويمنح الاحتلال فرصة إدارة الجريمة دون كلفة سياسية كافية فغياب الموقف الوطني الموحد في ظل الإبادة لا يعني فقط تشتت الخطاب بل تفكك المعنى وتحويل المأساة إلى مشاهد إنسانية معزولة عن سياقها السياسي وهو ما يتناقض مع جوهر معركة التحرر الوطني
ما العمل إذن؟
يجيب حزب الشعب بأن المدخل الأول هو إعادة بناء الوحدة الوطنية بوصفها عملية سياسية ديمقراطية لا صفقة فوقية ولا توافقًا شكليا. بل وحدة تبنى على الحوار الجاد والاعتراف المتبادل بالاختلافات وإدارة التعدد لا إلغائه فالتجربة الفلسطينية أثبتت أن القفز فوق الخلافات لا يلغيهابل يؤجل انفجارها في لحظات أكثر كلفة، الوحدة المطلوبة اليوم ليست وحدة الصور والبيانات بل وحدة البرنامج والهدف والحد الأدنى من الرؤية المشتركة القادرة على الصمود.
المدخل الثاني يتمثل في إعادة تعريف جوهر الصراع ونقل مركز ثقله إلى ساحة العدالة فالابادة الجارية في غزة لم تعد مجرد جريمة عسكرية بل لحظة كاشفة اهتزت فيها شرعية الاحتلال أخلاقيا وسياسيا على مستوى الرأي العام العالمي رغم محاولات الحماية الرسمية. هنا يؤكد حزب الشعب أن العدالة ليست مسارا قانونيا باردا، بل أداة كفاحية يجب الاستثمار فيها سياسيا وشعبيا عبر ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وتفكيك منطق الإفلات من العقاب كما يجري اليوم في مسارات التقاضي الدولية
لكن العدالة التي يدعو إليها الحزب لا تكتمل دون بعدها التحرري فالمساءلة وحدها إن لم تربط بمشروع وطني تحرري تتحول إلى مطلب أخلاقي معزول لذلك يربط حزب الشعب بين عدالة المحاسبة وعدالة الحقوق الجماعية غير القابلة للتصرف وفي مقدمتها حق تقرير المصير، والعودة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة بهذا المعنى، تصبح العدالة وسيلة وهدفا في آن واحد، وتتحول من خطاب قانوني إلى استراتيجية سياسية طويلة النفس
أما المدخل الثالث فيتعلق بإعادة الاعتبار للفعل السياسي الجماعي بعيدا عن منطق الإدارة اليومية للأزمة فالمطلوب فلسطينيا ليس تحسين شروط التعايش مع الواقع القائم بل إعادة بناء مشروع وطني قادر على الربط بين غزة والضفة والقدس والشتات، باعتبارها ساحات صراع واحدة، لا ملفات منفصلة وهذا يتطلب شجاعة سياسية في مراجعة التجربة والاعتراف بالأخطاء والتخلي عن وهم القدرة على إدارة الصراع دون كلفة.
في الذكرى الرابعة والاربعين لانطلاقة حزب الشعب الفلسطيني لا تطرح هذه الرؤية بوصفها امتلاكا للحقيقة بل كدعوة مفتوحة لتبني موقف وطني عقلاني وشجاع موقف يقول إن الوقت لا يسمح بالأوهام وإن الهروب إلى الأمام لم يعد خياراً بين الإبادة والضم يصبح العمل الفلسطيني الحقيقي هو إعادة تأسيس الفعل الوطني ذاته من خلال الوحدة الوطنية والعدالة واستراتيجية سياسية تستعيد المعنى وتضع فلسطين في موقع الفاعل لا الضحية.



